ما هي التشابهات بين أعمالنا في رحم الدنيا وأعمال الجنين في رحم الأم؟

جدول المحتويات
أعمالنا في رحم الدنيا تشبه أعمال الجنين في رحم الأم

تصرفاتنا في رحم الدنيا تشبه أعمال الجنين في رحم الأم

هل سبق لك و أن بحثت في الانترنت عن صور لحديثي الولادة الذين يعانون من تشوهات طبيعية حادة؟ لا نتوقع أنك قد فعلت ذلك! إنها لتجربة مؤلمة ومفجعة للغاية رؤية الأطفال الذين يولدون بذيول أو تشوهات خلقية في الأقدام، أو يأتون برؤوس مزدوجة، ويحضرون معهم أعضاءً إضافية بأيديهم وأرجلهم…، قليلون هم الذين يملكون الجرأة لمواجهة مثل هذه اللقطات. ما هو الفرق بين طفل سليم وآخر يعاني من عيوب؟ ولماذا يولد طفل بمرض أو خلل عضوي، في حين يأتي طفل آخر بحالة صحية جيدة وسليمة؟ ألم يكن كلاهما في ظروف متشابهة وقد قضيا تسعة أشهر للاستفادة من إمكانيات الرحم للولادة السليمة؟ ألم يحاول كلاهما بذل كل ما في وسعه لتطوير أعضاءه خلال هذه الفترة؟ إذاً، لماذا أدّت جهود أحدهما إلى ولادة سليمة، في حين أن جهود الآخر فشلت وذهبت هباءً؟

استعرضنا في المقالات السابقة مفهوم العمل وأكدنا أنّ كل فعل يكون مبنيًا على نية صافية، ومعرفة دقيقة، ووعي عميق، واختيار مستنير، يُعتبر من عمل الإنسان. كما أشرنا إلى أن أعمالنا تنعكس على باطننا، وأن نجاحنا أو فشلنا في مسار الحياة، وكوننا إما في جنة النعيم أو نار العذاب، يتوقف تمامًا على أعمالنا. نسعى في هذا المقال، لشرح هذه المفاهيم المهمة باستخدام “قانون النسبة”، إذ إنه كما ذكرنا سابقًا، يعد هذا القانون الصيغة الرئيسية التي تفتح أبواب الفهم لعالم الآخرة والتي لا يمكن بدونها فهم العديد من سمات عالم الآخرة، بما في ذلك دور الأعمال في توجيه المصير الأزلي للإنسان. لذلك، سوف نتناول الأسئلة التالية التي ستشد انتباهنا إلى هذا الموضوع المهم:

  • ما هو الفهم المرتبط بمفهوم “العمل” في سياق الجنين؟
  • ما هي الأعمال التي يقوم بها الجنين داخل رحم الأم؟
  • هل هناك شبه بين أعمال الإنسان في رحم الدنيا وأعمال الجنين في رحم الأم؟
  • ما هي العوامل التي تؤدي إلى ولادة بعض الأفراد بحالة صحية جيدة، بينما يولد آخرون بحالة ناقصة ومريضة في الآخرة؟

مفهوم العمل في الجنين وأعماله داخل رحم الأم

يمتد مدى تطور الجنين لتسعة أشهر منذ لحظة تكوّن النطفة في رحم الأم، حتى ولادة الطفل إلى الدنيا. لا يعرف الجنين لحظة من الراحة خلال هذه الفترة، بل يظل دائمًا في حالة عمل ونشاط متواصل. إنه يسعى بجد لاستحصال الموارد الأساسية اللازمة للحياة في الدنيا، ويحملها معه عند ولادته.

تتسارع أعمال الجنين في رحم الأم نحو تشكيل مجموعة غنية ومتنوعة من الأنسجة والأعضاء، و تشكل هذه الأعضاء خزانة الجنين وممتلكاته عند ولادته. إن أول شيء يكتسبه الجنين في الأسبوع الثالث من الحمل هو القلب. ثم يتطور الجهاز العصبي ببطء، وتظهر مكونات الدماغ والحبل الشوكي بتدريج في الفترة التي تليها. في الأسبوع الرابع، يبدأ التشكيل التدريجي للأذن والعيون والجفون، وتظهر بعد ذلك الفروع الرئوية ومن ثم الفروع النهائية للحنجرة. تستمر هذه العمليات المتواصلة حتى يحقق الجنين استحصال جميع الموارد اللازمة لبقائه في الدنيا.

إنّ الجنين محشور مع أعماله في الدنيا، أو بعبارة أدق، إن الجنين هو مساو لعمله، ولا لشيء آخر. والحقيقة أنّ أعمال الجنين ليست نتيجة تأثيرات خارجية، بل يتشكل و يكوّن الجنين نفسه نتيجة لتفاعل أعماله المتنوعة. إذا كانت أعمال الجنين داخل رحم الأم إيجابية وبنّاءة، فإن هيكل جسمه سيكون سليمًا وقادرًا على التأقلم مع الحياة في الدنيا، مستمتعًا بفوائدها دون عوائق. بينما إذا كانت هذه الأعمال غير صحيحة، أو إذا تم الإفراط أو التفريط فيها، قد يولد الجنين مصابًا بمرض أو تشوه عضوي. لنفترض على سبيل المثال، أن الجنين قضى تسعة أشهر في جهود شاقة، ولكن بدلاً من أن يأتي برأس واحد، جلب معه رأسين، أو قد قرر توجيه الطاقة والجهد اللازمين لبناء ساق إلى بناء ذيل! صحيح أنه بذل الجهد والتعب، ولكن هذه الجهود، أو بالأحرى أعماله، لم تكن متناسبة مع متطلبات الدنيا، ونتيجة لذلك، بدلًا من أن يجعل حياته مريحة وجذابة فإنه صاغ لنفسه مصيرًا معقدًا.

أعمالنا في رحم الدنيا تشبه أعمال الجنين في رحم الأم

نعيش في الدنيا كما لو أنها رحم ثانٍ لنا، ونحن كأجنّة مكلفون بتحضير أنفسنا لولادة سليمة في الآخرة. لذا، تنطبق جميع القواعد التي تحدثنا عنها بخصوص أعمال الجنين في رحم الأم، على حياتنا في الدنيا أيضًا. غير أنّه يكمن الاختلاف في أن الجنين يشكل جسده من خلال أعماله، بينما نحن نشكل “أرواحنا” من خلال أعمالنا.

نحن أيضًا كالجنين، دائماً في حالة عمل ولا نتوقف حتى للحظة واحدة. قد يبدو ذلك غريبًا على سماعكم، ولكننا حتى عندما نستريح ويظهر أننا لا نقوم بأي عمل، نظل في حالة نشاط ونكتسب شيئًا ونضيفه إلى حياتنا. إن جميع حواسنا تبقى نشطة حتى أثناء الراحة،  و من الممكن أن نشاهد أو نسمع شيئا. حتى ولو نجحنا في إغلاق حواسنا، لا يمكننا توقف تدفق الأفكار لفترة طويلة، و تعتبر أفكارنا من أهم الأعمال التي تكوّن نفوسنا وجوانبنا الداخلية. تظل نفوسنا نشطة حتى في عالم النوم، لأننا تعلمنا سابقًا أن النفس هي مجردة وليست لديها النوم، وما يغفو هو جسدنا وليست نفوسنا.

تعتبر كل مخرجات النفس ومدخلاتها المكوّنات الأصلية لأعمالنا في رحم الدنيا، بما في ذلك كل ما نشاهده، ونسمعه، ونحس به، ونلمسه، فضلاً عن كل أفكارنا ونوايانا وجميع الأفعال التي نقوم بها بواسطة أجسامنا المتنوعة، وبشكل عام، كل اختيار وعلاقة وتصرف وفكرة تشكل جزءًا لا يتجزأ من “أعمالنا”، و تُخزّن كل منها بصمتها في أعماق نفوسنا، سواء كانت إيجابية وبناءة، أو سلبية ومدمرة، وفي الختام، هذه المكتسبات التي نحصل عليها من خلال أعمالنا هي التي تشكل البنية النهائية لنفوسنا.

نحن نُولَدُ في الآخرة برفقة أعمالنا، کما نُحشر مع أعمالنا، ونُعطَى الجزاء والعقوبة بناءً على أعمالنا. ما يبقى منا وينتقل إلى عالم الآخرة هو النفس أو الروح، وتُبنى شكل هذه النفس و بنیتها عبر الأعمال. إنّ أعمالنا في رحم الدنيا هي الثروات الوحيدة التي نمتلكها في الآخرة، وإذا لم تكن صالحة ولم تتناسب مع الظروف الحياتية في الآخرة، فسنولد مصابين أو معاقين وناقصين في الآخرة(لا سمح الله)، اعتمادًا على مدى التلوث والاضطراب الذي اكتسبته أرواحنا.

ستُناقَش في المقالات القادمة أنواع الولادة في الآخرة، وسيتم التحدث بشكل أعمق حول علاقة العمل والکسب ومفهوم العمل الصالح.

اكتب رأيك