ما هي العلاقة بين القضاء والقدر، و أين يتم تطبيق هذا القانون في حياتنا؟

جدول المحتويات
"تحكم علاقة القضاء والقدر على قضايا الحياة والكون كلها"

العلاقة بين القضاء والقدر والاختيارات التي تغير مسار حياتنا

نحن على وشك الانطلاق في رحلة قصيرة. تخيّل لحظة أننا نطل عبر نافذة القطار نتأمل المناظر الجميلة، ثم ينحرف مسار القطار فجأة وينطلق في طريق جديد، كاشفا أمامنا عالم آخر بألوان وتفاصيل و مناظر زاهية و مدن جديدة و أشخاص جدد، و يظهر ذلك كله لنا  كلوحة فنية. كما أننا نلاحظ أن كل هذا الجمال كان موجودا في الطريق السابق ولكن كانت تفاصيله تختلف تماما. لقد تجسدت في هذا السيناريو العلاقة بين القضاء والقدر حيث تم التلاعب بالمسار والسكك، إلّا أنّ الخيار في يدينا الان! إن قراراتنا وأمانينا واختياراتنا الأولية هي التي تلوّن مشهد حياتنا، وتحدد ما نراه في مسار رحلتنا، وما سنمر به من ظروف وكيف نتخذ قراراتنا في المستقبل. إذاً، يمكننا القول بثقة أن حياتنا هي توليفة فريدة من القضاء والقدر.

تُطرح في هذا السياق أسئلة عميقة، منها اننا لماذا نكون غير راضين غالباً عن ماضينا، ولماذا نسعى دائمًا لتغيير أحداث معينة في الماضي؟ من أين ينبع عدم الرضا في روحنا؟ على أي أساس من المعرفة نحدد أهدافنا ونختار مسار حياتنا، وبما أن العودة إلى الماضي ليس ممكناً فما الذي يمكننا فعله لنتجنب الندم في السنوات العشر المقبلة؟

القضاء والقدر في نظام الخلق

لكل شيء في نظام الخلق قَدَره الخاص [1] أي مقدارًا محددًا له. نحن كمخلوقات نتعرض دائمًا لتنوع واسع من الخيارات وإذا لم نكن على دراية بتكلفة ونتائج كل اختيار، فإن قراراتنا الخاطئة قد تلحق الضرر بنا وبأحبائنا ونستهلك مع كل اختيار نتخذه جزءًا من رأس مالنا الأعظم – و هو عمرنا. تكون بعض القرارات كبيرة إلى درجة أنها تشكل مسار حياتنا برمتها، مثل اختيار شريك الحياة، أو مكان الإقامة، أو مجال الدراسة. ونظرًا لأن هذه القرارات مترابطة كقطع الدومينو، فإن اتخاذ قرار واحد قد يُعتبر مفتاحًا للقرارات التالية. لذا يتعين علينا فهم تكلفة وثقل ما نختار بدقة بالغة. يُعرف هذا الثقل والقيمة في لغة الدين بـ “القَدَر“.

لكل ظاهرة في هذا الكون سبب، وخلق الله نظام الخلق كله على أساس علاقات العلّة والمعلول أو علاقة القضاء والقدر. كانت إرادة الله هي أن يخلق نظامًا يكون فيه لكل خيار نتخذه نتيجته الخاصة، لذلك إذا فشلنا في اختيار القَدَر المناسب سنجد أنفسنا متورطين في قضاءه أو نتيجته غير المرغوبة سواء شئنا أم أبينا. وبالطبع، هناك قضاء وقدر ليس لدينا دور في اختياره. على سبيل المثال، إننا لا نختار عائلتنا أو مكان ولادتنا، وبالتالي ليس لنا إلا و قبول الظروف الحالية. ومع ذلك، تختلف المسؤولية تجاه الأقدار التي اخترناها بأنفسنا. لذا، لكي نقوم بالاختيار الصحيح، يجب أن نتعرف على جميع الأقدار ومكانتها في مراتبنا الوجودية، ونتمكن من تمييز أقدار الجانب الإنساني بدقة عن بقية الجوانب. ثم في المرحلة التالية فإمحمن الضروري أن نكرس حياتنا للسعي و تحقيق هذه الأقدار لكي لا نتسبب في إلحاق الضرر بأنفسنا.

أهمية معرفة الأقدار والمقاييس

ترسخ القوانين الرياضية سلطتها في نظام الخلق، وهناك قَدَرٌ و قيمة فريدة لكل من مكونات الخلق. كل خيار و قَدَر نقوم به له قَدَرهُ الخاص، سواء كان ذلك في المجالات الحسية كالأشياء الملموسة أو في المجالات العقلية كالأفكار، كما يترتب لهذا الخيار قضاءٌ أو نتيجةٌ خاصة به بناء على القَدَر الذي يحمله. إن أفعالنا تتفاعل ضمن إطار علاقة القضاء والقدر، حيث لا يُمكن للفعل أن يظهر نتائج متعددة. على سبيل المثال، إذا اخترنا الكسل و الضجر كقَدَر، فإننا لا يمكننا توقع تحقيق النجاح كقضاءٍ. إنّ الإنسان يجني ثمار ما زرع ويمكن القول إنّ كل اختيار نقوم به يحمل معه القضاء والنتيجة أو المنتج الذي يترتب عليه.

لذلك، يكمن السر في استخدامنا لأقصى درجات الحذر والذكاء عند اتخاذ القرارات والخيارات، و يُعد هذا الحد الأدنى الذي يمكننا القيام به لتحقيق سعادتنا، وهو مرتبط بشكل أساسي بفهمنا العميق ومعرفتنا.

لا تقتصر علاقة القضاء والقدر على قضايا الحياة والكون فقط، بل إنها تشكل قاعدة قانونية صارمة تسيطر على الجوانب الروحية وحتى العلاقة بالله. إذا كنا نسعى لتحقيق القرب من الله كنتيجة مرغوبة، يجب علينا أن نكون على علم بقَدَره المتناسب، و لكي نتفادى الضرر و الأخطاء، من الضروري في المقام الأول فهم الأقدار المرتبطة مع جانبنا الإنساني. في سياق العلاقة الطبيعية بين القضاء والقدر، يعد فهمنا الصحيح للأقدار والمقاييس أمرًا ضروريًا. إذا لم نكن على دراية بها وبقيمتنا الإنسانية، فإننا لن نكون قادرين على اتخاذ قرارات صائبة. وبالتالي بدل أن نركز على أقدار بعدنا الإنساني، فإننا نأخذ بعين الاعتبار الأقدار المتعلقة بأبعادنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، ونرتكب بذلك خطأ يؤدي إلى إضاعة العُمر في سبيل السعي وراء تحقيق تلك الأقدار. هذا العمر الذي يعد رأس مالنا المحدود ويجب أن يستثمر بحكمة في الأمور الأكثر أهمية وضرورة، والتي تتطلب جهدًا وتكلفةً عالية.

قدمنا في هذا المقال تحليلًا عن العلاقة بين القضاء والقدر، كإحدى القوانين الضرورية في نظام الخلق، وسلطنا الضوء على حقيقة أن كل شيء في نظام العالم قد تم تحديد قدره ومقداره، ويأتي كل قدر مرفوقًا بقضاء ونتيجة خاصة به. إننا لا نستطيع اختيار الأقدار الصحيحة إلّا عندما نكون على علم بقيمتنا الإنسانية. قمنا باتخاذ اختياراتنا وفقًا لتلك الكمالات الإنسانية. وإذا لم نفص ذلك، فإننا نستهلك عمرنا الذي هو الرأسمال الوحيد الذي نمتلكه شفي اتجاه غير صحيح، مما يؤدي إلى خسائر لا يمكن حصرها.

ما هو انطباعك حول الأقدار التي اخترتها حتى الآن؟ هل تشعر بالرضا تجاه أقدارك والنتائج التي حصلت عليها؟ نحن نتطلع بشغف إلى مشاركة آرائك وتفاعلك معنا.

[1] . القمر/49:  إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَهُ بِقَدَرٖ

اكتب رأيك