فلسفة فهم الألم وتحقيق الصحة في الدنيا والآخرة

جدول المحتويات
فلسفة فهم الألم وتحقيق الصحة في الدنيا والآخرة

كيف يساعدنا فهم الألم على فهم ذاتنا الحقيقية بشكل أفضل؟

لقد خضعنا جميعًا لتجارب الألم ونعلم أنه ينتج عن الضغط أو الاضطراب، ولكن الألم الذي نرغب في مناقشته هنا يختلف قليلاً. سوف نشرح الألم و فلسفة فهم الألم من منظور الجنين الذي لم يُعدّ نفسه في رحم أمه قبل ولادته إلى الدنيا. يظهر هذا الألم واضحا فور دخوله الدنيا، إذ أن ليس بإمكانه التكيّف مع الظروف البيئية للحياة في الدنيا.

وفقًا لقاعدة النسبة فإن العلاقة بين رحم الأم والدنيا تشبه العلاقة بين الدنيا والآخرة. لذا، إذا كان الجنين يواجه آلامًا ناتجة عن عدم امتلاكه الأعضاء السليمة للحياة في الدنيا بعد دخوله إليها، فإننا قد نواجه تحديات مماثلة عند الولادة في الآخرة، أي أننا في حال عدم التجهيز السليم سنضطر لتحمل آلام ناتجة عن عدم التكيف مع الظروف البيئية للآخرة. في هذا المقال، سنتحدث عن قدرة الجنين على فهم الألم ونستكشف السبب وراء وجود الألم في بيئة الرحم.

قدرة فهم الألم

تنشأ العديد من الآلام الجسدية التي نعاني منها في هذه الدنيا، نتيجة للعيوب التي حملناها معنا منذ الولادة أو النقص الذي كان موجودًا قبل الولادة. على سبيل المثال، ربما نكون قد أحضرنا معنا معدة ضعيفة إلى الدنيا نتيجةً لعدم تكوين الأعضاء بشكل صحيح خلال فترة وجودنا في رحم الأم. قد تتسبب هذه المعدة الضعيفة في ارتجاع الحمض مما يتسبب في إزعاج لنا. أو ربما لا تستطيع غدة الدرقية تنظيم إفراز هرمون الدرقية بشكل صحيح، مما يؤدي إلى صعوبات في تنظيم عمليات الهضم والبناء في أجسامنا.

مادام الجنين متواجد في رحم الأم، فإنه يتحمل بلا وعي الآلام التي ستنجم لاحقا بسبب عدم التجهيز بالأعضاء اللازمة. هذا لا يعني أن مستشعرات الألم في جسمه غير نشطة، ولكن بما أن هذه الأعضاء لا تعمل بفعالية في رحم الأم، فإنه في الأساس لن يلاحظ وجود مشكلة فيها. وعلى الرغم من أن أجهزة الإحساس بالألم نشطة في الجنين، إلا أنه لن يلتفت إلى هذه الآلام لأنها ليست ذات أهمية بالنسبة له في هذه المرحلة من حياته. على سبيل المثال، لا يكترث الجنين إذا كان لديه قدم واحدة أم قدمين، لأن هذا الجانب لا يلعب دورًا مهمًا في واقعه داخل رحم الأم، بل أنه سوف يدرك الألم والمعاناة الناتجة عن عدم وجود ساقين سليمتين فقط بعد دخوله إلى الدنيا. أو بالنسبة للجنين، بما أنه يحصل على الأكسجين اللازم في رحم الأم من خلال الشرايين وعبر دم الأم، فإن وجود رئتين سليمتين ليس له أهمية في داخل الرحم. ولكن بعد الولادة، يصبح وجود رئتين سليمتين ضروريًا لتفادي الألم والمعاناة وضمان البقاء والحياة.

في الحقيقة، نحن أيضًا لا نشعر في الدنيا بالألم الذي ينبع عن عدم توفر الأدوات الضرورية التي سنحتاج إليها في الآخرة. قد لا تسبب لنا السلوكيات السيئة، والكذب، والحسد، والتكبر، وما إلى ذلك، أي ألم في الدنيا. لذا فإننا قد نتجاهل تلك الأمور ونتجاوزها بدون اكتراث. ولكن في لحظة دخولنا الآخرة فإننا سوف نواجه الألم الذي يتجلى نتيجة لاستخدامنا السيء لتلك الأدوات، وندرك مدى المعاناة والألم الشديد والعذاب الذي قد ينتج عن عدم التكيف مع ظروف الحياة الأخروية.

لماذا يوجد ألم في الرحم؟

كما أشرنا سابقًا، لا يتسنى للجنين داخل رحم الأم أن يشعر بالألم الناجم عن عدم استعداده، ونظرًا لعدم فهمه لشروط الحياة في الدنيا، قد يكون عاجزًا عن التعرف على العيوب في الأعضاء التي تم صنعها حتى الآن. في هذه الأثناء، تقوم الأم والفريق الطبي الحاضر خارج الرحم بفحص العملية المستمرة لتكوين الأعضاء ونمو الجنين، وتنظيم اختبارات ورعاية متخصصة للتأكد من صحة أعضاء الجنين. وفي حال تبين أن الجنين يعاني من مرض أو نقص، يكون من الأفضل عمومًا حل المشكلة داخل رحم الأم.

في المقالات السابقة، أشرنا إلى أن رحم الأم يمثل الخيار الأمثل لحل مشاكل الجنين، نظرًا لقدرته البنائية والأدوات المتقدمة التي يتمتع بها مقارنةً بالدنيا. يعيش الجنين تجربة الألم عندما يخضع للجراحة داخل رحم الأم، ولكنه لا يفهم بعدُ الفلسفة وراء ذلك. لذا فإنه لن يحمل هم الألم ولن يظهر رغبة في العلاج من ذلك، إذ أنه لم يتعرف بعدُ على ظروف الحياة في الدنيا ولم يستوعب أهمية وجود أعضاء وأطراف سليمة.

في أحضان هذه الدنيا كرحم، نمر بتجارب تشبه إلى حد كبير تجارب الجنين في رحم الأم. في حقيقة الأمر، فإن خطر البناء الخاطئ للأدوات للحياة الآخرة يتربص بنا حالياً في هذه الدنيا. وإنّ الله الذي يراقب عن كثب عملية نمونا وتطويرنا في هذا الكون، يتدخل من خلال خلق لحظات من الألم والضغط في مختلف جوانب حياتنا بهدف تصحيح بنية وجودنا في رحم الدنيا. يتسم الرحم الدنيوي بقوة إبداعية أكبر من الآخرة، ويُسهل تصحيح العوائق الروحية التي نواجهها هنا بشكل أسهل بكثير من معالجتها في الحياة الآخرة.

إننا نشعر فورا بالآلام والضغوط التي تعترينا في حياتنا إلا أننا كثيرًا ما نجد صعوبة في فهم أسباب تلك الآلام بنفس السهولة. يشكو معظمنا من تقلبات حياتنا في الدنيا ومشاكلها، لأننا نفتقد إلى فهم صحيح لحقيقة ذواتنا.  نعرّف أنفسنا استنادًا إلى كوننا ذكر أو أنثى أو اللقب والمكانة، أو بشكل عام، وفقًا لتقديرات العالم الدنيوي ونتأثر بظهور هذه الآلام. لكن من خلال فهم الفلسفة والسبب وراء ذلك سندرك أن هذه الضغوط لن تضر حقيقتنا وأنها في الحقيقة تشكل وسيلة لبناء نفس متناغمة مع ظروف الحياة الآخرة. يكمن الفارق الوحيد بيننا وبين الجنين في أن لدينا الان قابلة الاختيار التأكيد على ضرورة استخدام هذه الأدوات للآخرة، ونحن من خلال فهم قانون النسبة والرياضيات الدقيقة للكون، ندرك إلى حد كبير أهمية استخدام تلك الأدوات في سياق الآخرة.

شرحنا في هذا النص موضوع فهم الألم من منظور الجنين الذي يقوم بإنشاء أعضاء قبل دخوله في الدنيا. أشرنا إلى أن الجنين لا يفهم الألم الناتج عن عدم إنشاء أعضاء سليمة في فضاء الرحم، و أن هناك ظروفا مماثلة نواجهها في رحم الدنيا، إذ أننا أيضًا لا نشعر بألم الآن نتيجة عن عدم إنشاء الأدوات المناسبة للآخرة. تناولنا فلسفة الألم التي يمكن أن يتحمله الجنين لتصحيح عملية إنشاء الأدوات داخل رحم الأم. وفي الختام، أشرنا إلى أننا غير قادرين على فهم فلسفة الألم الناتج عن الضغوط الموجودة في رحم هذا العالم بسبب عدم إدراكنا لذواتنا الحقيقية.

إذا كان هذا المقال قد خلق تأثيرًا في رؤيتك للألم وتحديات الحياة، يسُرّنا جدًا أن تشاركنا آرائك في قسم التعليقات.

اكتب رأيك