العلاقة بين الدنيا والآخرة هي علاقة القوة والفعل.
هل سبق لكم أن تتعرفوا على جراحة الجنين داخل رحم الأم؟ لماذا يفضل الأطباء علاج العديد من الأمراض والتشوهات الجنينية داخل رحم الأم؟ لماذا لا يتركون الأمور حتى يأتي الجنين إلى الحياة ومن ثم يقومون بالعلاج؟ الإجابة واضحة ملحوظة، إن بعض التشوهات والأمراض الخلقية للجنين لا يمكن علاجها بعد الولادة على الإطلاق، أو أنها تستلزم تكاليف باهظة وتحمل آلام كثيرة. لذلك فإن الأطباء يؤكدون بشدة على أهمية معالجة هذه الحالات قبل ولادة الجنين وفي نفس بيئة الرحم، حيث يمكن لجسم الجنين الاستفادة من قوة الرحم الاستثنائية لإعادة بناء الأنسجة التالفة بسرعة.
ما هو سبب هذه الأمور؟ لماذا يتسنى للرحم، بالرغم من أنه بيئة صغيرة وغير متقدمة أن يُعالج التشوهات بسرعة، في حين لا تتسنى للدنيا، بكل تقدمها وعظمتها، القيام بذلك؟ ينبغي البحث عن الإجابة في العلاقة بين رحم الأم والدنيا وهي علاقة تُمثل نسبة من القوة والفعل. تتحول خلية البويضة في رحم الأم إلى إنسان كامل خلال تسعة أشهر فقط، بينما إذا فقد هذا الإنسان عقدة إصبعه في طفولته، لا يمكن للدنيا التعويض عن هذا النقص البسيط وإعادة بناء إصبعه حتى لو عاش لمدة تسعين عامًا. هذا يعني أن رحم الأم يمتلك قوة وقدرة تفتقر إليها الدنيا وبعبارة أخرى، فإن الدنيا لديها فعلية كبيرة ولكن ليس لديها القوة البنائية الكافية بالمقارنة مع رحم الأم.
تعتبر نسبة القوة والفعل جزءًا من قانون النسبة، و يقدم فهم هذا المفهوم خطوة إضافية لنا نحو فهم خصائص الحياة بعد الموت. لذلك سنقوم في هذا المقال بشرح مفهوم القوة والفعل، ثم سوف نستعرض هذا المفهوم في السياق المرتبط بين الحياة الدنيا والآخرة.
ماذا يعني القوة والفعل؟
يعتبر التغيير والتحول من أوضح وأكثر الحقائق الواضحة في هذا الكون. يتحول هذا الكون بعكس ثباته باستمرار ولا يظل ثابتًا. تتغير الظواهر الكونية بلا توقف، و تتحول الأشياء من حالة إلى أخرى، ومن وضع إلى وضع آخر، ومن جودة إلى جودة أخرى. ولكن ليس هذا التحول عشوائيًا، بل إنه يتطلب قدرة كامنة وموهبة داخلية. على سبيل المثال فإن حبة القمح لديها القدرة على التحول إلى سنابل القمح فقط ولا يمكنهاء أبدًا أن تتحول إلى نبات الذرة. كذلك فإن قطعة قماش بطول عشرين سنتيمترًا لديها القدرة فقط على التحول إلى مريلة رضيع أو منديل صغير، ولا يمكنها أبدًا أن تتحول إلى بدلة. يُطلق على هذه القدرة والموهبة الداخلية، عندما تكون لا تزال في مرحلة مبكرة من نموها، اسم “القوة”. إذاً، فإن حبة القمح قد تكون سنابل قمح بالقوة، وقطعة القماش قد تكون مريلة رضيع أو منديل صغير بالقوة.
النقطة المقابلة للقوة هي “الفعل”. ولكن ما هو المقصود بالفعل؟ يُستخدم مصطلح الفعل عندما تتحول موهبة داخلية لكائن حي من حالة القوة إلى حالة الازدهار والكمال. لفهم مفهوم الفعل، دعونا نأخذ بيضة كمثال. يمكن لهذه البيضة أن تتحول إلى فرخ خلال 21 يومًا؛ وهذا يعني أن لديها القوة والقدرة على تحويل النطفة إلى فرخ كامل خلال هذه الفترة. عندما يتم تحويل النطفة داخل البيضة إلى فرخ، قد وصل البيض من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل. بمعنى آخر، تظهر القوة في البيضة والفعل في الفرخ. في الأمثلة السابقة، فإن القوة في حبة القمح والفعل في السنابل، وبالمقابل فإن القوة في قطعة القماش والفعل في المريلة.
هناك نقطة أخرى مهمة في فهم مفهوم القوة والفعل و هي أنه بمجرد أن يتحول شيء من حالة القوة إلى حالة الفعل، فإنه ضيفقد القدرة على العودة إلى حالته السابقة من القوة. على سبيل المثال، لا يمكن للفرخ أن يعود إلى مرحلة النطفة، وكذلك لا يمكن لحبة القمح أن تعود إلى مرحلة البذرة. تتجلى أهمية هذا المفهوم بوضوح في العلاقة بين رحم الأم والدنيا، وأيضًا في العلاقة بين الدنيا والآخرة.
مقارنة الدنيا والآخرة من حيث القوة والفعل
أشرنا إلى أن العلاقة بين رحم الأم والدنيا تتمثل في النسبة بين القوة والفعل، أي أن القوة تظهر في الرحم، بينما يتجلى الفعل في الدنيا. لذلك، عندما تنتهي مراحل نمو الجنين في رحم الأم ويخرج إلى ساحة الدنيا، لا يمكنه بعد ذلك بسهولة تصحيح العيوب والنقص والمشاكل السابقة في بيئة الرحم. هذا لأنه قد تجاوز مرحلة القوة ووصل إلى مرحلة الفعل. عالم الدنيا هو عالم الفعل والازدهار، ولكن قدرته البنّاءة ضعيفة مقارنةً بالرحم. لذلك وبطبيعة الحال، فإنه لا يمكنه بسهولة تصحيح مشاكل الجنين. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن الدنيا ليست لديها نية لإيذاء الجنين، بل على العكس، تم تصميم جميع إمكانات الدنيا لتحقيق رفاه الجنين ولذته. ولكن المشكلة تكمن في أن الشرط الأساسي لهذه الاستفادة هو التمتع بصحة جسدية تامة. الجنين الذي يقضي فترة الحمل في اللعب والعبث ويغفل عن تطوير جسمه وبناء الأعضاء، يضطر إلى أن يولد في الدنيا بجسم غير كامل أو مريض.
تتجلى أيضًا نسبة القوة والفعل في العلاقة بين الدنيا والآخرة كثوابت لا تتغير. فعندما نتحدث عن الآخرة، نشير إلى عالم يملؤه الفعل والازدهار، في حين أن الدنيا تمتاز بكونها عالمًا تسوده القوة والقدرة. لهذا السبب، إذا لم نقم بتصحيح ذنوبنا وتطهير أنفسنا من التلوثات الروحية وضعف أخلاقياتنا في هذا العالم الدنيوي وغادرنا الدنيا بحالتنا الراهنة، فإننا سنواجه تحديات عديدة في رحيلنا إلى الحياة الآخرة وسنظل عالقين في حالة برزخية في أعماق الجحيم على مدى فترة زمنية تمتد لقرون لا يمكن تحديدها، حيث سيكون علينا تحمل عذاب الشفاء حتى يتم تنقية هذه الأخلاق الملوثة بأرواحنا. يظهر هذا التباين في حين أن يكون بإمكاننا علاج هذه الأمراض ومعالجة نقاط الضعف، مثل الطمع والحسد والتكبر، في رحم الدنيا من خلال النظر الداخلي والتكريس الذاتي. حتى لو ارتكب شخص خطايا طوال حياته، فإنه بفضل الله وفرصة الحياة المستمرة والمراقبة، يمكنه التغلب على جميع الذنوب والخطايا في ليلة واحدة. ومع ذلك، تبقى هذه القدرة الاستثنائية محصورًة في إطار الدنيا، في حين أن عالم الآخرة بكل عظمته وتوسعه لا يتسم بمثل هذه الإمكانيات.
بالتأكيد، يجب علينا أن نشدد على أن إحدى الفوارق الرئيسية بين رحم الأم ورحم الدنيا تظهر هنا. الجنين في رحم الأم ليس لديه إرادة ذاتية، و تحدث عملية نموه وتشكيل أعضائه بتدبير من الدنيا وتدخل من عالم الغيب. بينما يتمتع الإنسان في رحم الدنيا بقدرة الارادة، ونتيجة لذلك يكون مسؤولاً عن ما يحققه.
في المقالات القادمة، سنستعرض بمزيد من التفصيل أنواع الولادة في البرزخ وأصناف الجحيم. إذا كانت لديكم أي أسئلة أو استفسارات حول الموضوع نسبة القوة والفعل، فلا تترددوا في مشاركتها معنا في قسم التعليقات.