اختلاف مستوى إدراك العالم في رحم الأم مقارنة بالحياة في الدنيا
هل خطر في بالك يومًا أن تتخيل الأجرام السماوية؟ هل حلمت يومًا برحلة إلى الفضاء بنفسك؟ إذا طلب منك شخص أن توصف كوكب كيبلر-62 إف[1]، بمَ ستجيبه؟ يكاد يجمع أغلبنا على أن تصوّر خصائص مكان لم نشاهده بأعيننا يكون أمرًا صعبًا، وفي بعض الأحيان مستحيلا. إن تخيل كوكب خارج المجموعة الشمسية خارج نطاق فهمنا، لأننا لم نختبره ولم نواجه تحدياته، كما أننا لا نعرف مدى قدرة الله خارج حدود حياتنا. في الواقع، إن مستوى إدراكنا لبيئة غريبة يقتصر على التعاريف التي سمعناها.
الإدراك هو عملية نقوم بها جميعا لتصنيف وتحديد المفاهيم والتفسيرات التي نحملها من حولنا ونعطي لها معنى. السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو إدراك الجنين داخل رحم الأم؟ إلى أي مدى يفهم الجنين عظمة الدنيا وجمالها؟ وما هو مستوى الإدراك الذي يكتسبه الإنسان بعد ولادته في الدنيا حول الآخرة؟
فور أن يدرك الجنين وجوده في رحم الأم، يتأقلم مع ظروف الرحم تلقائيًا و بسرعة. لذلك فهو يتقدم بسرعة في مراحل نموه وتطوره، ويبني الأدوات والأعضاء الضرورية له، ولكن بما أنه لا يملك معرفة بالعالم خارج الرحم، فإنه لا يظهر أي رغبة في التعرف عليه. إن مستوى إدراك العالم المادي للجنين يقتصر على تجاربه داخل الرحم، فتراه يسمع ويشعر قليلاً، ويتعرف على وجود أصوات غير صوت الأم، وبما أن لديه تواصل و حياة وجودية مع الأم، فإن وجودها وصوتها وضربات قلبها مألوفة له. حتى أنه يدرك حالات الأم، سواء كانت سعيدة أو حزينة أو غاضبة. بشكل عام، إن معرفته موجهة إلى رحم الأم، ولا يدرك من قدراته سواها.
إدراك الجنين للعالم المادي
يظل الجنين غير قادر على تحقيق فهم صحيح للدنيا، إذ أنه لا يمكنه تصوّر عظمة الدنيا وتنوع نعمها بأي حال من الأحوال. على الرغم من وجود أعضاء وأجزاء للجنين داخل رحم الأم، يظل فهمه لوظائف هذه الأعضاء خارج نطاق إدراكه، فهو لن يفهم أبدًا سبب تشكيلات الدماغ الغامضة، وماذا هي وظيفة البصر والسمع، و لن يدرك السبب وراء أي شيء يتعلق بأعضاء جسده حتى يولد في الدنيا. عندها سوف يتعلم ويكتسب الوعي ويدرك السبب في وجود العين واليد والأذن والقدم وغيرها من الأعضاء و يفهم وظائف كل منها ويستخدمها لاكتشاف العالم من حوله.
يكتسب الجنين القدرة وإمكانية النمو والتطور بمساعدة الأعضاء التي اكتسبها في رحم الأم، وفي حالة عدم امتلاكه لصحة جيدة عند الولادة، فإن عجزه عن إدراك العالم الواسع والجميل والرائع من حوله يصبح سببًا للأسى له. هذا الموقف يشبه حالة الرضيع الذي لم يتسن له أن يبني عينيه بشكل سليم أثناء فترة تواجده في رحم أمه، ولذلك فإنه لن يكون باستطاعته أن يرى جمال الدنيا وعجائبها بسبب هذا النقص العضوي بعد الولادة.
يحظى الجنين في أحشاء الأم فقط بإدراك عالمه الصغير المحيط به، و يبرز قدراته على خلق الحياة من خلال الحبل السري والمشيمة، ويبني أعضاءً لا يفهم حتى هو نفسه سبب وجودها. إنه يدرك بشكل طبيعي وغريزي بعد مدة أنه يملك أطرافًا، من خلال حركة أصابعه وأعضائه الأخرى، ولكن إدراكه للعالم لا يتجاوز حدود ظلمة رحم الأم. باختصار فإن الجنين لا يملك أي فهم للعالم الذي سيواجهه بعد ولادته، ولا يمكنه أبدًا تصوّر العالم الضخم الذي ينتظره لينتقل إليه ويواصل حياته فيه.
إدراك الإنسان للآخرة
بمجرد أن نفتح عيوننا لأول مرة على هذه الدنيا و نبصر وسعها وسماتها وندرك إمكاناتنا وقدراتنا، نبدأ في استكشاف إمكاناتنا الفريدة وازدهار قدراتنا الكامنة. لم يكن هناك ضوء في رحم الأم لكي نكون قادرين على تصوّر أو إدراك محيطنا، ولكن عندما نخرج إلى عالم الدنيا، نشهد توسعًا هائلًا في فهمنا للحياة ونصبح قادرين على رؤية ملايين الألوان المختلفة.
تُشبّه رحلتنا في رحم الدنيا إلى الآخرة برحلة الجنين من رحم الأم إلى الدنيا، و سندخل إلى البرزخ بعد الوفاة وسنواجه ظروفًا وبيئة مختلفة عن الدنيا تماماً. لا يُمكن مقارنة مستوى إدراكنا للعالم بمساحة الدنيا. أما بالنسبة إلى قدراتنا فلن تبقى سطحية ومحدودة كما كانت في الدنيا.
و تماما كما ظهر لنا تقدم ورفاهية الدنيا بوضوح عندما وُلدنا إلى الدنيا، فإن آفاق الآخرة الرحبة و تعقيداتها العظيمة ستنجلي عن أعيننا فور دخولنا إليها. بالإضافة إلى أن نِعَم الجنة أكبر بملايين المرات وأكثر تقدمًا وحلاوة وسعادة من نعم الدنيا. وتماما كما كان تصور الجنين في داخل رحم أمه صعبا لعظمة الدنيا وتنوع نعماتها، فإن إدراك الآخرة وتعقيدها وتنوع نعماتها صعب لكل من يعيش في رحم الدنيا.
قمنا في دراستنا لهذا الموضوع، بدراسة مستوى إدراك العالم من منظر الجنين داخل رحم الأم وكذلك الإنسان في رحم الدنيا. و أشرنا أنه كما يعجز الجنين عن إدراك الدنيا وتنوع نعمها داخل رحم الأم، فإن الإنسان يواجه نفس التحدي عند التفكير في الآخرة وتعقيدها وهو في رحم الدنيا. في الواقع، لا يمكننا تصور نعمات الجنة ومدى تقدم وسائلها إلا من خلال قاعدة النسبة التي تُظهر لنا فهما نسبيًا لعظمة وتعقيد عالم الآخرة.
هل فكرتم يومًا في مستوى إدراكنا بالدنيا في مراحل حياتنا المختلفة؟ نرحب بمشاركة آرائكم واقتراحاتكم حول هذا الموضوع.
[1] . Kepler-62f