التعرف على مفهوم النار والنور في الکمالات وعلاقته ببنية نفوسنا

جدول المحتويات
التعرف على مفهوم النار والنور في الکمالات وعلاقته ببنية نفوسنا

نحن دائماً نستقطب النار والنور من الظواهر المحيطة بنا

  • وجه الشخص الفلاني يشع لدرجة أن الإنسان لا یشبع من النظر إلیه!
  • الجلسة التي حضرتها کانت نورانية جدا، لم أرغب في انتهاءها سریعاً.
  • لايوجد نور في هذا المنزل، لا أستطیع العیش فيه.

قد استخدمتم سابقًا عبارات مشابهة لوصف النور أو قد سمعتموها من الآخرين، فما هي علاقتنا بالنور التي تجعلنا ننجذب إليه إلى هذا الحد؟ وماذا عن النار؟ لماذا نهرب عندما نقترب منها؟ هل تُعتبر النار والنور حقيقتين خارجيتين وماديتين فحسب، أم لهما علاقة بوجودنا؟ ولماذا نشعر بالنورانية والخفة في بعض الأماكن والظلام والثقل في البعض الأخرى؟ ولماذا تُثير بعض الأفعال والأفكار النار في داخلنا وتمنحنا البعض الآخر شعورًا بالسكينة؟

سنقوم في هذه المقالة بالتعامل مع مفهوم النار والنور من زاوية مختلفة، عناصر ربما قد ركزنا عليها حتى الآن على أبعادها المادية والفيزيائية فقط وتجاهلنا جانبها الروحي والميتافيزيقي. إن النار والنور هما من أهم حقائق عالم الكون، والتي تتأثر بها حياتنا في جميع الأبعاد، ولا يوجد لحظة نكون فيها بدون علاقة بالنار والنور. هناك جانبان لكل الكمالات من الجمادية والنباتية والحيوانية وما إلى ذلك، وهما الناري والنوري، بالإضافة إلى جميع الاختيارات والعلاقات والسلوكيات والأفكار لدينا وباختصار جميع الأحداث التي تدور حولنا. يعني أن جميع ذلك يمكنه أن يكون إيجابيًا وبنّاءً، أو سلبيًا ومدمرًا. لذلك، إن نوع الثروات أو الحاجات في حياتنا ليست ذات أهمية كبيرة وإنّما المهم هو كيفية التعامل معها.

يمكن أن يكون التعرف على مفهوم النار والنور وتدفقهما في جميع الظواهر الكونية محطمًا لبعض الأنماط المعتادة في عقولنا، وتتحدى المعتقدات القديمة لدينا حول إيجابية الكمالات أو سلبيتها. ويمكن لهذا الموضوع أن يكون بداية لتغييرات إيجابية في هندستنا الفكرية و اختيارنا لأسلوب الحياة، و يفتح لنا نافذة جديدة على البنية الرياضية للكون.

في هذه المقالة، سنتحدث عن مفهوم النار والنور في الكمالات والعلاقة بين هذا الموضوع وبنية النفس الإنسانية. وفي النهاية، سنتعرض لكيفية استقطاب النور في الأوضاع المختلفة التي نجد فيها أنفسنا.

هل النار والنور هما فقط ظواهر فيزيائية ومادية؟

يعتبر النور من الحقائق الأساسية لحياتنا، وندرك جميعًا مفهومه. كما قال شهاب الدين سهروردي، أحد علماء الصوفية والفلاسفة الإسلاميين الكبار: ” لا شيء أظهر من النور فلا شئ اغنی منه عن التعریف.”[1] النور هو الظاهر بذاته والمظهر لغیره و هو خاصیة حقیقة الوجود.

تعرف علم الفيزياء النوركموجة كهرومغناطيسية تحمل فوتونات بأطوال موجية مختلفة، إلّا أنّ هذا التعريف ينحصر فقط في البعد المادي والفيزيائي للنور. إن الحقيقة المتعلقة بالنور لديها تأثيرات غير محسوسة لا يمكن تعريفها بأي صيغة، لأنها لا تتماشى مع حدود عالم المادة في الأساس. إنّ العلم والإيمان والعقل والعديد من المفاهيم الأخرى هي أمثلة على النور، حيث تسلط النور على حقائق العالم بالنسبة لنا. حيثما لا يوجد نور، نظل في الظلام والضلالة.

مقابل مفهوم النور، يأتي مفهوم النار. تُعرف النار على أنه “عملية احتراق عند تفاعل وقود مع الأكسجين”، ومع ذلك، يشير هذا التعريف فقط إلى الجانب المادي للنار. لاحظ العبارات التالية:

  • أحرق فلاني قلبي بكلامه القاسي وجرح لسانه.
  • كان وجهي أحمراً كالحديد المحموم من شدة غضبي.
  • عندما أفكر في الأشياء السيئة التي فعلها بحقي، أشعر بالاحتراق في الداخلي.

في جميع هذه الحالات، نشعر بوجود النار داخلنا، دون وجود أي تجلٍ خارجي، لذلك فإن حقيقة النار تحتوي على حقيقة غير مادية وميتافيزيقية.

وجود النار والنور في الكمالات

ربما قد واجهتم أشخاصًا مغرورين بدراساتهم العلمية معتبرين أنفسهم أفضل من الآخرين بسبب علمهم، أو أشخاصًا متدينين ظاهريًا ولكنهم فاسدون ومكتئبون وحاقدون و حاسدون، أو أشخاصًا ثريين وذوي مراكز سلطة يتعاملون مع الآخرين بنظرة استصغار. ما هي مصدر المشكلة برأيكم؟ هل تكمن في أن العلم سيئ، أو أن الدين ناقص، أو أن الثروة هي التي تجلب الفساد؟

لا شيء من ذلك! الحقيقة هي أن أي نوع من الكمالات، سواء كان جماديًا أو نباتيًا أو حيوانيًا أو عقليًا، يحتوي على النار والنور في آن واحد، وقد يمكن أن يولد الجنة والنار. حتى الكمالات ماوراء عقلية قد تجعل بعض الأشخاص من أهل النار، مثل اصحاب صلاة الليل الذين يعتبرون أنفسهم أفضل من الآخرين مغترين لخلق الله و دائنين لله من خلال عباداتهم.

النار والنور ليسا في الكمالات بل إن كل شيء في عالم الوجود له نار والنور. كل فكر يخطر ببالنا، وكل قرار نتخذه، وكل فعل نقوم به، وبشكل عام كل اختياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا، يمكن أن تنتج إما نورًا وجنة، أو نارًا وجحيمًا. وبالتالي، ليس من المهم على الإطلاق أن نعيش في أي ظروف عائلية أو اجتماعية معينة، أو أن يكون لدينا ثروات معينة أو أن نكون محرومين من بعض النعم. إنّما المهم هو كيف نتعامل مع ظروف حياتنا وكيف نستفيد منها. بعض الأشخاص يستخرجون النور ببراعة من أصعب الظروف االمظلمة، بينما لا يشعر البعض الآخر بالنعم والكمال رغم  أنهم يمتلكون أشياء يحلم بها ملايين الأفراد، ومع ذلك فإنهم يضيعون جميع النعم ويجعلون من شروط الجنة شرو جهنمية.

علاقة النار والنور ببنية النفس الإنسانية

كما ذكرنا، ليس النار والنور إلّا حقيقة غير مادية وميتافيزيقية، وما نراه  من نور ونار في عالم المادة هو مظهر صغير من حقيقتهما الأساسية تظهر حقيقتهما بعد رفع حجب عالم المادة وظهور العالم الباطن، في صورة الجنة والجحيم. لذلك، على عكس الاعتقاد السائد، ليست الجنة والنار أماكن يتم خلقها في وقت لاحق. إنّما نحن نعيش الآن في جنة نفوسنا أو نارها. الحقيقة أنّ الجنة والنار كلتاهما موجودة في داخلنا ومستمدة من ظهور أرواحنا. سنتناول المزيد حول هذا في المقالات القادمة.

كيف ندرك إذا كنا نجذب النار أو النور؟

يتعلق ما ذكرناه حتى الآن بالنظريات والجوانب النظرية للنار والنور وإن كان معرفة هذه المفاهيم ضرورية لبدء الرحلة، إلا أنها ليست كافية. يجب أن تتوفر لدينا مؤشرات يمكننا من خلالها قياس النار والنور داخلنا باستمرار ومعرفة إلى أي اتجاه نتحرك؛ هل هو نحو الجحيم أم نحو الجنة. ولكن ما هي هذه المؤشرات؟

يتمثل أهم مؤشر لجذب النور في وجود السعادة والسكينة والحب عند الإنسان. إذا كنت تسلك الطريق الصحيح، ينبغي أن يتزايد حجم السعادة والسكينة والانبساط الداخلي لديك، ويجب أن تتحسن علاقتك مع الله. لأن الله هو المصدر الرئيسي للنور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …”

بالتالي، إذا كانت لدينا علاقة أفضل وأكثر صدقًا مع الله قبل الزواج، قبل الذهاب إلى الجامعة، قبل أن نصبح أثرياء أو قبل أن نحقق أي كمال آخر، كنا نخلو مع الله أكثر، وكانت عباداتنا أكثر نقاءً، وبشكل عام كنا أكثر سعادةً ورضاً وسكينةً فلا بد أن ندرك أننا نجذب النار من خلال كمالاتنا هذه كلها. يجب علينا أن نتمهل قليلاً قبل المضي في الطريق ونعالج نقاط الضعف. إننا جميعا بحاجة إلى محطات للتوقف أثناء رحلتنا، وفي الواقع، أن أهم مهمتنا في الحياة هي العمل على تحسين تلك النقاط الضعيفة.

إن وجود النار والنور في الظواهر هو جزء من الرياضيات التي تحكم خلق الكون. هناك معادلات أخرى أيضًا، تجعل فهمنا لهذه الرياضيات أكثر كمالًا. وسنتحدث عنها في المقالات القادمة بشكل أكبر. إذا كان لديك أي معلومات في هذا الصدد ، فيرجى مشاركتنا بها في قسم التعليقات.

[1] . حکمة الاشراق، ج 1، ص 106.

اكتب رأيك