الرد على سؤال متكرر؛ لماذا يجب علينا التقليد؟

جدول المحتويات
لماذا يجب علينا التقليد؟ ألا نملك عقولنا الخاصة؟

لماذا يجب علينا التقليد؟ ألا نملك عقولنا الخاصة؟

من الشبهات الشائعة والمتكررة في المجتمع، وخاصة من قبل الأجيال الشابة والمثقفة، هو لماذا يجب علينا التقليد؟ ألسنا نتمتع بعقول ووعي فردي؟ ألا يمكن للتقليد أن يعيق نموّنا الشخصي وتطورنا الفكري؟ لماذا يجب أن نخضع أنفسنا لعبودية أفكار الآخرين و ننخرط في التقليد اصلاً؟

من المثير للاهتمام أن هذه الشبهة تثار عادة في مجالات الشؤون الدينية والإنسانية فقط، وليس في مجالات المسائل الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية. على سبيل المثال، لا أحد يتهم شخصًا بالجهل عندما يذهب إلى الطبيب لعلاج مرضه ويتبع تعليماته العلاجية، ولا شخصًا يسلم تصميم وبناء منزله لمهندس معماري. على العكس، إن عدم الرجوع إلى أهل الفن هو ما يعتبره الجميع أمرًا غير حكيم ويتعرض للانتقاد.

مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالمسائل فوق العقلانية والإنسانية، يظن الكثيرون منا أنفسهم خبراء في هذا المجال ويتساءلون لماذا يجب علينا التقليد وما هي ضرورة هذا الأمر؟

يتم طرح هذا السؤال عادة حول تقليد الفقهاء والمراجع الدينية، ولكن في الحقيقة يعود ذلك إلى عدم فهمنا للدين وفلسفة وجود الإمام المعصوم(ع).  فالفقهاء يعتبرون ممثلين وخلفاء للإمام في زمن الغيبة. إن شكوكنا في ضرورة الانتماء إلى الفقهاء تدل على أننا قد قبلنا ضرورة الانتماء إلى المتخصصين كمبدأ عقلي وفطري ونطبقه في جوانب الحياة كافة، ولكن أهمية هذا الموضوع في مجالات الأمور ماوراء العقلية والإنسانية لم تحظ بالاهتمام الكافي بعد.

ولكن لماذا الأمر هكذا؟ لماذا لا يشعر البعض منا بضرورة الرجوع إلى المتخصصين في مجالات الأمور الإنسانية والدينية؟ هذا الأمر يجب أن نبحث عن جذوره بالتأكيد في عدم معرفتنا لأنفسنا.

ضعف معرفة النفس هو أصل كل الشكوك

إنّ حاجة الجاهل إلى تقليد العالم و غير المتخصص إلى تقليد الالمتقدم المتخصص أمر بديهي وواضح، وهو ما يؤكده العقل والفطرة. إن طبيعتنا تدفعنا نحو اللجوء إلى المتخصصين في المجالات التي ليست لدينا خبرة فيها أو التي نحتمل ألا ننجح فيها، وهذا هو السبب في وجود المئات من المهن والتخصصات في المجتمع. فالخياط يسلّم سيارته إلى مكانيكي لإصلاحها والمكانيكي يذهب إلى الخياط لخياطة ملابسه. الطبيب يسلم تصميم منزله للمهندس والمهندس يذهب إلى الطبيب لعلاج مرضه. البطل رياضي يرسل ابنه لتعلم العلوم إلى المعلم والمعلم يسجل ابنه في نادي رياضي ليمرّن جسمه، ولا يسأل أحد منهم لماذا يجب عليهم التقليد ولا يعتبرون ذلك إهانة لأنفسهم. إن اللجوء إلى المتخصص والامتثال لتعليماته أمر طبيعي وعقلاني، وجميع سكان العالم، بغض النظر عن العرق أو القومية أو الفكر أو الأخلاق، يقبلون مبدأ التخصص والتقليد لأنهم يدركون فوائد هذا الأمر ويرون بأعينهم آثار الانحراف عن هذا المبدأ. لذلك، إذا لم نشعر بضرورة الرجوع إلى المتخصصين في مجالات الأمور الإنسانية والدينية، فالسبب هو أنّنا لم نأخذ الجزء الرئيسي من وجودنا على محمل الجدّ، أو ربما لا نملك معلومات كافية عنه. إذن فمن الأفضل أن نعود مرة أخرى و ونراجع بنية وجودنا ومراحل حياتنا، و نتعرّف على أنفسنا كإنسانا، وليس جمادا أو نباتا أو حيوانا أو ملكا، ونتبين هل نحتاج إلى هداية وتوجيه المتخصص المعصوم أم لا.

من نحن ولماذا نحتاج إلى التقليد؟

نحن كبشر على الرغم من أن لدينا أبعاد جمادية ونباتية وحيوانية وعقلانية في بعدنا الطبيعي والدنيوي، إلا أن حقيقة وجودنا والكمالات الخاصة التي تجعلنا مظهرًا لله وخليفته، ليست من أبعاد الكمالات الجمادية مثل اللون والحجم والوزن، ولا من أبعاد الكمالات النباتية مثل النمو والتغذية والقوة الجسدية، ولا من أبعاد الكمالات الحيوانية مثل تشكيل الأسرة واختيار المسكن والترفيه والعمل، ولا حتى من أبعاد الكمالات الملائكية والعقلية مثل الدراسة والتعلم، بل حقيقة وجودنا هي حقيقة خارقة للطبيعة وغير دنيوية، تنتمي إلى عوالم فوق الطبيعة وتتصل بجسدنا، وبعد إقامتنا المؤقتة على الأرض، سوف نعود إلى جوهر وحقيقة وجودنا.

إن حياتنا تنقسم إلى ثلاث مراحل:

1) مرحلة ما قبل الدنيا

2) مرحلة في الدنيا

3) مرحلة ما بعد الدنيا.

في مرحلة ما قبل الدنيا كنا روحًا واحدة ولا نهائية عند الله، وكنا في قمة السعادة والسعة، ولكن عندما هبطنا إلى الدنيا و انخفضنا في إطار الجسد، واجهنا سيلًا هائلاً من القيود والنواقص في عالم المادة، وهذا يعد قفصا و سجنًا لروحنا الطموحة والمثالية التي قد تذوقت كل المتع! إننا لا يمكننا أبداً التغلب على قيود العالم المادي و نقاط ضعفه، لأن حقيقتنا ليست من نوع المادة. لهذا السبب، إننا نحاول دائمًا خلال فترة إقامتنا على الأرض إزالة هذه القيود عن أنفسنا والعودة إلى الحرية والسعادة التي عشناها سابقاً.

المسألة الأساسية هي أن اختيار مسار السعادة يعتمد تمامًا على إرادتنا ورغبتنا، لأن الله خلقنا أحرارًا. بمعنى آخر، إننا جميعًا نمر بقوس الصعود ومسار العودة إلى الله، سواء شئنا ذلك أم لا، ولكننا لسنا جميعًا نمتلك القدرة على العودة إلى السعادة والمكانة الأولية. إن كل من يختار بإرادته المسار الصحيح يمكنه تحقيق ذلك، ولكن كيف؟ من الذي يستطيع أن يوضح لنا المسار الصحيح؟ إنه بالطبع شخص يفهم بنية وجودنا ومراحل حياتنا بشكل كامل، كما يتمتع بمعرفة خاصة عن المعلومات السبعة، وهي: معرفة الجسد، ومعرفة الروح، ومعرفة العلاقة بين الجسد والروح وتأثيرهما المتبادل على بعضهما البعض، ومعرفة الطبيعة، ومعرفة العلاقة بين الطبيعة وجسدنا وروحنا، ومعرفة مصدر الحياة (قبل الدنيا)، ومعرفة مصير الحياة(بعد الدنيا) التي شرحناها في المقالات السابقة.

إذا نظرنا إلى مجموعة المعرفة الإنسانية في هذه الفئات السبع من المعلومات المتخصصة، نرى أن الإنسان، على الرغم من تقدمه في العلوم المختلفة، لم يتمكن حتى من تحقيق معرفة كاملة عن عالم الطبيعة، فكيف بالنسبة للمجالات الأخرى؟ بالإضافة إلى ذلك، فإنّ بعض هذه المجالات، مثل معرفة أصل الحياة و وجهتها، لا يمكن للإنسان معرفتها بشكل عام بسبب طبيعتها غير المادية. فمن الذي سيوفر لنا هذه المعارف؟

من خلال استكشاف هذه المعارف و مراجعتها و التعرف على الدورة حياتنا، ربما يمكننا الآن فهم ضرورة الانقياد للمتخصص المعصوم والالتزام ببرنامج ديني متخصص، و بالنتيجة فإن السؤال “لماذا يجب علينا التقليد؟” يفقد قيمته و مصداقيته في أعيننا. لا يستطيع أي منا، بمفرده وبدون إرشاد المتخصصين الذين تم تعيينهم بشكل مباشر من قبل الله ليكونوا قادة لنا، تحقيق المسار الكامل والوصول إلى السعادة والنجاح الأبدي، وهذا يثبت لنا ضرورة الانقياد واتّباع المعصومين(عليهم السلام) وممثليهم في زمن الغيبة.

في هذا المقال، تم مراجعة معرفتنا بالدورة حياة الإنسان وحاجته إلى مرشد في البعد الإنساني، وتعرفنا على سبب الحاجة إلى التقليد والدور الذي يلعبه في تحقيق سعادتنا الدنيوية والأبدية. نأمل أن هذه المعرفة ستلهمنا في نهاية المطاف عملا هادفاً، وتوجهنا نحو تحقيق الهدف شرعنا من أجله في هذه الرحلة الأرضية.

اكتب رأيك