اكتساب قلب سليم: فهمه وتأثيرات غيابه في حياة الإنسان

جدول المحتويات
اكتساب القلب السليم، شرط للاستمتاع بالسعادة والسكينة الدائمتين

اكتساب قلب سليم، شرط للاستمتاع بالسعادة والسكينة الدائمتين

ذكرنا سابقا أن الدنيا ليست مأوانا وأننا قد أتينا من عالم الملكوت لظهور قدراتنا الكامنة وسنعود مرة أخرى إلى ذلك العالم. تحدثنا أيضًا عن عملية “الصيرورة” وهي تحويل إمكانياتنا الكامنة إلى قدرات فعلية وأكدنا أن هذه الصيرورة يجب أن تحدث في القلب أو في حقيقة وجودنا، لأن الشيء الوحيد الذي سنأخذه معنا من هذه الدنيا هو قلوبنا، و القلب السليم هو القلب الذي قد اتجه نحو الكمال في هذه الدنيا. فيمكن اختصار هدف خلق الإنسان إلى اكتساب قلب سليم. في هذا المقال، سنقوم بفحص هذا المفهوم معًا.

بالطبع وكما أشرنا إليه في المقالات السابقة، عندما نتحدث عن القلب، فإننا لا نعني العضلة التي تضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم، بل نعني حقيقة وجود الإنسان التي تدرك وتستقبل. إنها الحقيقة الأزلية لوجودنا التي نظهر من خلالها مشاعرنا وعواطفنا الداخلية، مثل الحب والكراهية والخوف والأمل والأماني، وحتى القلق. القلب هو الأداة التي تحكم في وجودنا، وتعشق، وتخشى، وتأمل، وتشعر بالفرح والحزن. وفي الواقع، إن قلبنا هو مركز عواطفنا، ومعنوياتنا، وفهمنا وتجاربنا الداخلية.

اكتساب قلب سليم، دليل الخروج من المنزل

قد يحدث لكم أحيانًا أن تتركوا المنزل و تتوجهوا إلى مكان ما وحين عودتكم، تدركون أنكم تورطتم في الكثير من الأعمال غير الأساسية، و قد نسيتم السبب الرئيسي وراء مغادرتكم للمنزل. على سبيل المثال، قد تتوجهون لشراء شيء معين من المتجر وتعودون إلى المنزل بالمواد الغذائية المختلفة، دون شراء السلعة التي طلبتموها.

يمكن القول إنّ مُعظمنا الآن نعيش في مثل هذا الظرف، لقد غادرنا منزلنا الأبدي لغرض معين ولكننا تورطنا في أمور جانبية خلال الطريق. غير أنّ وضعنا الحالي هو أكثر تعقيدًا قليلاً ويشبه السفر إلى بلد آخر لحضور مؤتمر تخصصي، ولكننا بدلا من ذلك قضينا كل فترة السفر في السياحة واستكشاف البلد، و نعود إلى منزلنا دون أن نكسب أي شيء من المؤتمر، وفوق كل ذلك يتوجب علينا استخدام تلك التخصصات التي من المفترض أننا قد اكتسبناها.

صحيح أنه لا يمكننا أبدًا نسيان أخذ قلوبنا إلى الآخرة؛ لأن قلوبنا أو أرواحنا هي الجزء الوحيد من وجودنا الذي استمتع بإمكانية الحياة الأبدية بغض النظر عن كونها سليمة أو غير سليمة. وبالتالي، يُعدّ القلب، المدّخر الوحيد لنا في الآخرة ولكننا ننسى أحيانًا أهمية السعي في الدنيا لاكتساب قلب سليم.

إنّ ثروتنا الحقيقية الوحيدة هي السعادة والسكينة والحب الذي نحمله في أعماق قلوبنا. لقد رأينا بالتأكيد العديد من الأشخاص الذين يتمتعون بكل الكمالات الحيوانية، إلّا أنّهم لا يشعرون بالسعادة في حياتهم ويعانون من اليأس والقلق والحزن وقلوبهم مريضة وغير قادرة على تقدير القيمة الحقيقية لكل شيء في حياتهم.

القلب السليم هو الذي يحمل قيمة الظواهر المتعددة حملًا صحيحًا، ولا يرتبط معنى وجوده بشبكة الأمور الدنيويّة. إنه قلب متألق، حيث تُصبح سلامته ملكة وجوده دون أدنى انحراف أو عيب. إنّ القلب هو حقيقة وجودنا حيث تعتبر سلامته أمر حيوي بالنسبة لنا في الدنيا والآخرة. تُعتبر صحته و كونه سليماً في الدنيا والآخرة أمرًا أساسيًا، لأن الحياة الأخروية تكاد تكون مستحيلة بدون اكتساب قلب سليم في الدنيا، إذ أنه لا يمكن كسب ذلك في الآخرة.

كلما رفعنا من مستوى حياتنا في هذه الدنيا، سواء بمجال الثراء، أو في المرتبة الاجتماعية، أو بتحقيق إنجازات تعليمية، أو حتى في بناء العلاقات الإنسانية والعاطفية، فإنها لا تحمل قيمةً واحترامًا إلّا في سياق قيم الحياة الدنيوية ولن ترافقنا في رحلتنا إلى عالم الآخرة. ببساطة، إنّ جميع إنجازاتنا ومكتسباتنا في هذا العالم تكون نافعة فقط إذا كانت تحت وطأة اكتساب قلب سليم. وبدون قلب سليم ستكون مكتسباتنا الدنيوية كأعضاء إضافية في جسم رضيع، حيث بنى لنفسه ثلاثة أزواج من الأيدي والأرجل، دون أن يوفر لنفسه قلبًا وجهازا تنفسيًّا فعّالين.

أهمية اكتساب قلب سليم

لفهم أهمية اكتساب قلب سليم، يكفي أن نولي اهتمامًا للدور الذي يلعبه القلب في وجودنا ومصيرنا الأبدي. تمامًا كما يحتاج الجنين إلى ظروف خاصة ورعاية لتحقيق ولادة سليمة، فإنّ قلبنا وروحنا بحاجة أيضاً إلى تمارين خاصة للحفاظ من المخاطر والأضرار المحتملة لتحقيق الحالة المرغوبة لها، وهي التحول إلى قلب سليم.

يصبح قلب الإنسان شبيهًا بما يمتلئ به، فإذا كان القلب ومفتونًا بالأمور المادية مثل السيارات والمنازل والثروة، فسوف يُقام له صلة أعمق مع هذه الأمور وينخرط فيها، حتى ينخفض إلى مستوى الجمادات. وأمّا إذا كنا متطلعين إلى الوضع الاجتماعي والجاذبيات الجسدية والمادية، أو السعي للحصول على القوة والقدرة، فإننا قد خفضنا مكانتنا إلى مستوى الرغبات الحيوانية. وإذا كان اهتمامنا مقتصرًا على أمور مثل الأكل والجمال والقوة البدنية، فإننا نتصرف على نحو يشبه تصرفات النباتات. إذن فإن اتجاه رغبات قلوبنا يؤثر على أفعالنا وحقيقتنا الوجودية. و نحن بحاجة ماسة بالتأكيد إلى إدارة رغبات قلوبنا وكل ما نحبه لكي نحظى بحياة سعيدة وهانئة في الدنيا والآخرة.

ضرورة اكتساب قلب سليم في الدنيا

القلب السليم هو قلب ينبض بفهم عميق لحقيقة وجوده، ويتأمل ذاته كإنسان بشكل متكامل. وبالتالي سيظل هذا القلب هادئًا ومبتهجًا وحنونًا في وجه التحديات والآلام والصعاب في رحلة الحياة الدنيوية. إنه يعي أن قيم الدنيا زائلة ومحدودة، وفي نفس الوقت لا يعلق نفسه بتلك التعاريف العابرة. ونتيجة لذلك، فإنه يظل ثابتًا في وجه أي ظرف يمكن أن يعترض طريقه دون أن يفقد سكينته وسعادته، ودون أن يسمح للحزن أو الألم أو القلق بالسيطرة عليه.

علاوة على ذلك فإنه يضمن السعادة والسكينة في الحياة الدنيوية ، حيث تتجلى أهمية اكتساب القلب السليم بمجرد وصول الإنسان إلى بوابات الآخرة. تتنامى أهمية هذا المفهوم عندما نشعر بأن تحقيق قلب سليم لا يكون ممكنًا إلا قبل أن نترك الدنيا. جميع مساعينا وما قد قدمناه من جهود لأنفسنا تكون ذات فائدة حقيقية إذا كنا قد أحضرنا معنا قلبًا سليمًا إلى رحاب الحياة بعد الدنيا. لأن القلب السليم يظل الوسيلة الوحيدة للتناغم مع حياة الملكوت، حيث يُعتبر قلبنا الذي يمثل جوهر وجودنا، سليمًا فقط إذا كان يتفق تمامًا ويتناسب مع البيئة التي ندخلها. وهذا التناغم لا يأتي إلا إذا كنا قد أعددنا قلوبنا في مسيرتنا في عالم الدنيا لتكون جاهزة لمواجهة تحديات الملكوت.

في هذا المقال، انغمسنا في دروس الحياة لنكتشف أن قيمة ما نحققه في هذا العالم تتجلى بشكل جلي فقط في ظل اكتساب قلب سليم. إذا لم يكن لدينا هذا القلب، فإنه سيكون عائقًا أمام تحقيق السعادة المنشودة. ولذلك، فإن إدارة علاقات قلوبنا بشكل سليم ضرورية لتحقيق السكينة والسعادة الدائمة. تم في هذا المقال رسم صورة للقلب كحقيقتنا الوجودية الخالدة، حيث يكون امتلاك قلب سليم أداة أساسية للحفاظ على السعادة والسكينة الدائمتين.

سوف نقوم في المقالات القادمة بتقديم تفصيل أكبر حول أسباب وكيفية تحقيق هذه المفاهيم العميقة.

اكتب رأيك