من يمكنه أن يكون القدوة الأفضل لحياتنا؟

جدول المحتويات
ما الحاجة إلى قدوة وكيف يمكننا اختيار القدوة الأفضل لحياتنا؟

ما الحاجة إلى قدوة وكيف يمكننا اختيار القدوة الأفضل لحياتنا؟

هل حدث يومًا و شعرت بالحاجة إلى وجود قدوة في حياتك؟ إذا كان لديك قدوة جيدة في مهنتك أو في العمل الذي تحبه، فما هو الأثر الذي سيتركه على مسار حياتك؟ إذا كان عليك أن تختار الآن، من هو الشخص أو الأشخاص الذين ستختارهم ليكونوا قدوة لك؟ هل تعتقد أنه يمكن اختيار شخص كقدوة لجميع جوانب حياته؟ ماهي الصفات التي يجب أن تكون لدى هذا الشخص؟ وما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في القدوة الأفضل برأيك؟

نحن في بعض الأحيان نشعر بحاجة إلى اتّخاذ قدوة في مختلف جوانب الحياة، خاصة عندما يكون لدينا أحلام كبيرة نعتبرها غير قابلة للتحقيق، أو عندما تواجهنا عقبات نشعر بأنه من المستحيل تجاوزها. في مثل هذه الحالات، يذهب ذهننا بشكل غير متعمد إلى أفضل القدوات التي قد حققت أحلامنا أو تجاوزت عقبات مماثلة. في لحظات كهذه، يطمئن خاطرنا بأنه إذا كان بإمكان الآخرين تحقيق تلك الأحلام أو تجاوز تلك العقبات، فبالتأكيد يمكننا نحن أن نفعل ذلك أيضًا. ومع ذلك، يكون مثل هذا الاقتباس عادةً مؤقتًا ومحدودًا لحالة معينة ولا يمكن تعميمه على الحياة بصورة عامة. على سبيل المثال، نأخذ القدوة من مدرب الرياضة أو معلم الرسم فقط في المجال الفني أو الرياضي، ولا نعتبرهما أفضل قدوات في جميع مراحل الحياة.

ترغب نفوس البشر، نتيجة لحاجتها إلى تحقيق الكمال الروحي، في الإيمان بالإنسان المثالي والذي يمثل صورة مثلى للصفات الروحية والأخلاقية. وإن لم يُعثر عليه في العالم الخارجي، فإنهم سيخلقونه في أذهانهم. تبرز هذه الرغبة في السنوات الأولى من الحياة، حيث يُلزم الطفل نفسه بنسخ سلوكيات الوالدين الذين يُعتبران بطلا حياته. في عالم الأطفال الصغير يظهر الوالدان كقدوة مثالية و من أكمل البشر على وجه الأرض، و يبدوان قويين و شجاعين، ولا يرتكبان أي أخطاء. ولكن هذا الشعور مؤقت، لأنه مع مرور الزمن ووصول الطفل إلى سن الشباب، يتسع عالمه ولا يكون راضيًا عن نسخ الوالدين. يصبح الشاب طموحًا ويرغب في أن تكون له شخصية مهمة ومختلفة. وبالتالي فإنه يختار نماذج غير قابلة للوصول ولا تشبه النماذج الاجتماعية العامة، لكي يمكنه تصوّرها في عقله على النحو الذي يرغب. نجوم السينما، ومشاهير المغنين، وأبطال الرياضة، والعلماء، وأصحاب الثروات الهائلة، كل هؤلاء يعتبرون أفضل القدوات وفقًا لمعايير الشاب الذي لم يكتشف هويته الحقيقية بعد. ولكن بما أن هذا الإحساس محدود ومؤقت، بمجرد دخول نجوم جدد إلى مجال الفن والرياضة، أو كشف النقاب عن أبعاد الحياة الخاصة لهؤلاء الأشخاص مما يكشف عن عيوبهم، فإن هذه النماذج تفقد سيطرتها و تأثيرها على عقل الشاب وتجعله يشعر بالإحباط والاكتئاب من اختياره.

يستمر البحث عن القدوة الأفضل عند الإنسان في سنوات حياته، وخلال هذه الارتفاعات والانخفاضات، يصل بعض الناس في النهاية إلى استنتاج أنه لا يوجد إنسان كامل يمكنه أن يكون قدوة في جميع جوانب شخصيته بدون أن يمر بمسار النمو والتطور بجهد كبير. لذا، من الأفضل التخلي عن السعي غير المجدي للعثور على قدوة كاملة، وبدلاً من ذلك، فإنهم يستمرون في عيش حياتهم من خلال التجربة والخطأ. ولكن هل هذا النوع من التفكير صحيح؟ هل يعني أنه لا يوجد أشخاص يمكننا أن نتّخذهم قدوات مثالية لحياتنا؟

إننا غالبًا ما نركز على البحث عن القدوة الأفضل في جانب معين من حياتنا والذي نظن أننا نجد فيه معنى لذاتنا. على سبيل المثال، نبحث عن شخص يمكننا أن نتعلم منه كيفية كسب المال، ولكننا نعرف أن معظم الأشخاص الأثرياء فشلوا في حياتهم العاطفية، أو نبحث عن شخص يمكننا أن نتعلم منه كيفية اكتساب المعرفة وأن نصبح علماء، ولكننا نجد أيضا أن أغلب العلماء يعجزون عن كسب المال. عندما ننظر الى مسألة القدوة من بعد واحد، و نشهد عيوب الأفراد الذين يُفترض بهم أنهم يكونوا ناجحين، نستنتج أن العثور على قدوة يمكنها أن توصل بنا إلى النجاح في جميع جوانب حياتنا أمر غير ممكن.

بمعنى آخر، نحن كبشر نمتلك جوانب متعددة لوجودنا ونحتاج إلى النجاح في كل هذه الجوانب للحصول على السعادة والسكينة الدائمة، وإلا فإن النجاح في جانب واحد لن يمنحنا الشعور بالسعادة والسكينة أبداً. لذلك فإن أفضل قدوة نبحث عنها يجب أن يكون شخصًا قد حقق النجاح في جميع جوانب الحياة، وبما أننا لسنا ملمّين بالطريقة الصحيحة للعثور على هؤلاء الأشخاص، إذن فإن العثور على قدوة مثالية تصبح مستحيلة بالنسبة لنا.

لقد ذكرنا سابقاً أننا نحقق التوازن والسكينة فقط إذا اخترنا حاكمية وجودنا الحقيقية بشكل صحيح، واتخذنا بُعدنا الإنساني كمتحكم لأنفسنا.

في هذه الحالة، ينبغي أن نبحث على قدوة تعيننا في الجانب ماوراء العقلي من وجودنا لترشدنا في ظل هذا البعد لينمو ويتطور بشكل صحيح. ولكن الحقيقة هي أننا لا يمكننا تحديد أفضل قدوة لنمو بُعدنا الإنساني، فهل يعني ذلك أن هؤلاء الأشخاص ليسوا موجودين حقًا؟ هل يمكن أن يكون الله الذي خلق الكون بأكمله فقط لمجد الإنسان لم يفكر في حاجته إلى قدوة كاملة ومثالية؟

هل توجد قدوة كاملة بدون نقص في الوجود؟

إن الله لم يطلب منا أبدًا أن نعيش حياتنا من خلال التجربة والخطأ. لأننا كلما ارتكبنا خطأ، يصبح سيرنا نحوه أبطأ أو أننا نعود إلى الوراء عدة خطوات، ومن الواضح أن الله لا يحب ذلك. إنه يرغب في أن نتقدم بسرعة في سبيل تحقيق هدف خلقه، والذي هو أن نُشبه الله ونكتسب صفاته وأن نتقدم بسرعة على بعضنا البعض. ولكنه يعلم أيضًا أنه من الضروري أن نكتسب معرفة عنه ونألف صفاته لكي نُشبهه، ولذلك فعليه أن يظهر نموذجه الأكمل والأكثر كمالًا في مخلوقات من نوعنا، وفي ذات الوقت تكون قدوات تبيّن تجلي صفات الله الإلهية. هذه القدوات هي كما ذكرنا سابقاً ليست غير الأئمة (عليهم السلام). إذن فإن الإنسان الكامل والشخصية المثالية التي تتزين بجميع الصفات الحميدة والكمالات الأخلاقية والإنسانية، موجودة حقاً، ولسنا مضطرين للبحث والسعي للعثور على مثل هذه القدوة في الأفلام و الأساطير. ما يجدر بنا أن نفعله هو أن نؤمن بأنفسنا كبشر، ثم نتحرك لكي نتشبّه بهذه القدوات الإنسانية.

ذكرنا أن حركتنا من عالم الدنيا نحو الملكوت ليست حركة مادية وجسدية، بل هي “تحول” أو “صيرورة”. تمامًا كما يتغير وجه الجنين في رحم الأم أثناء اتجاهه نحو الدنيا ويأخذ وجهًا جديدًا في كل لحظة حتى يكتمل ويولد في النهاية، فإنَّ أنفسنا في عالم الدنيا هي دائمًا في حالة تحول وتأخذ وجهًا جديدًا مع كل فعل جيد أو سيء، لكي تتشكل في النهاية وجهتها النهائية وتولد بهذا الوجه في عالم الملكوت. بالطبع فإن ليست كل التحولات والحركات ذات صلة بهذا الهدف، بل إن الحركة المفيدة هي تلك التي تُعدّنا لحياة صحية وخالية من الآلام، وهذا لا يحدث إلا في ظل طاعة المتخصص المعصوم كأفضل و أكمل قدوة. لأن جميع قوانين وصيغ الخلق هي في يد المتخصص المعصوم، وهو الذي يحدد كيف ينبغي لنا التصرف في مواجهة أي حدث لنكون متناسبين مع هدفنا النهائي. إذا كان نمط حياتنا لا يتوافق مع ما يقوله المعصوم، فقد ننمو من ناحية الكمالات المادية والدنيوية ونصبح على سبيل المثال فيلسوفًا بارزًا أو عالمًا مشهورًا أو فنانًا ناجحًا أو غنيًّا، ولكننا لن نكون إنسانًا مستحقًّا بالتأكيد ولن نصل إلى “القلب السليم” الذي هو أعظم ثروتنا.

سنتحدث في الدروس القادمة عن “القلب السليم” والعواقب الخطيرة لعدم اكتسابه في حياتنا.

اكتب رأيك