القرآن ميثاق الخلق، كتاب لجميع البشر في جميع الأزمان
لقد سمعتم بالتأكيد أن الجمهور المستهدف للقرآن هم جميع البشر في جميع الأزمان. ولكن هل سألت نفسك يومًا ما كيف للقرآن الذي نزل قبل أكثر من 1400 عام على خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي مجتمع الحجاز، هذه القدرة التي تجعله صالحاً للاستخدام والاستفادة على مر القرون لبشر مختلفين ذوي ظروف اجتماعية وشخصية متنوعة؟
ما هي علاقة الله بنا في القرآن؟
لماذا لا يستطيع البعض منا التواصل مع القرآن، بينما يصعد البعض الآخر به إلى أعلى مراتب الإنسانية؟
قبل كل شيء، يجب أن نعلم أن الله تجلّى في الوجود بأشكال لا متناهية. كل ما نراه هو ظهور لله، حتى وجودنا أنفسنا هو ظهور له. كل شيء في الوجود يعكس خالقه كمرآة. وبنفس الطريقة، لقد تجلت اسماء وصفات الله بشكل كامل ومكتوب في ميثاق الخلق أي القرآن، وفي الواقع فإن الله يتحدث إلينا من خلال كلمات القرآن ويظهر نفسه.
في المقالات السابقة، تعلمنا أن جوهر الله في كل الكمالات لانهائية، لذلك فإن تجلياته لانهائية أيضا، ولهذا السبب فإن معارف القرآن بدورها أيضا لانهائية. وكما أن أيا من تجليات الله لا تحدها حدود، فإن معارف القرآن، التي هي تجلٍّ كاملٍ لجوهر الله، ليس لها نهاية أو ختام.
في هذا المقال سوف نشرح كيف يكون “القرآن ميثاق الخلق” و المصدر الوحيد لبيان وتوضيح القوانين التي تحكم أنفسنا كبشر.
علاقتنا الحقيقية بالقرآن
بين حقيقة وجودنا وكلام الله، توجد علاقة جوهرية دقيقة، فقد ذكرنا أن القرآن هو ميثاق الخلق، وهو تجلٍّ وظهورٍ لله. ومن ناحية أخرى، فإن بنية أنفسنا هي أيضًا تجلٍّ للروح والنفخة الإلهية، لذلك فإن هاتين الحقيقتين لهما صلة وتوافق بالتأكيد. بعبارة أخرى، فإن القرآن ليس مجرد كتاب مقدس سماوي نقرأه لكسب الثواب فحسب، أو مجرد كتاب أحكام يصدر تعليمات لحياتنا من خارج وجودنا، بل إن كل آية في القرآن تحمل حقيقة مقابلة لحقائق أنفسنا وتروي حقيقة وجودنا.
في الواقع، ليس الأمر كما لو أن الإنسان خُلِقَ أولاً ومن ثم كُتِبَ كتاب سماوي وفقًا لبنيته الوجودية، بل إن الإنسان هو الذي خُلِقَ وفقًا للقرآن، والقرآن هو ميثاق خلق الإنسان. وبالتالي، فإن القرآن هو أفضل مصدر لاستخراج المعلومات المتوافقة مع أنفسنا، وإذا أردنا أن نسلك طريقًا مستقيمًا نحو السعادة والسلام في الحياة، فيجب علينا الرجوع إلى القرآن واستخراج قوانين الخلق والسعادة الحقيقية منه.
إن علاقتنا بالقرآن علاقة فطرية تماماً. نحن ملمون بمعارف القرآن ونشعر بجاذبية تجاهها، فالقرآن في الحقيقة هو “ذكر” وتذكير لهذه الفطرة التي نغفل عنها. لذا، فإن أفضل طريقة لفهم ذاتنا الحقيقية وبنية خلقتنا وفهم سر السكينة والسعادة، هي قراءة القرآن والتأمل فيه بشكل أعمق.
إذا كان القرآن قد وضع مسؤولية ما على أكتافنا، أو نهى الله عن فعل شيء من خلال القرآن، فإن هذا لا يعادل أمراً و نهياً عادياً، بل إنه خريطة و نهج لتحديد الأفعال المتوافقة مع الجانب الإنساني و المعارضة لها، وإذا ما كان تنفيذها يخدم مصلحتنا وهدف خلقتنا أم لا.
القرآن وقوانين الخلق

لقد ذكرنا أن بنية وجودنا مُنظَّمة وفقًا للقرآن، وأن القرآن هو ميثاق خلقتنا، وفي الواقع، فإن سبب دوام القرآن في جميع الأزمان يعود إلى هذه الحقيقة. فمرور القرون وتقدم التكنولوجيا والتغيرات في نمط حياة الإنسان لم تحدث تغييرًا في فطرة وحقيقة وجودنا، والقرآن هو أيضًا حافظٌ على هذه القوانين الثابتة. وبالتالي، فإن القرآن يتكلم بانسجام مع روحنا وفطرتنا، ويقدم معايير دقيقة في جميع المجالات لتحقيق هدف الخلق وضمان سعادتنا.
إن القرآن يحكم في جميع المجالات وفقًا لحقيقة الإنسان الفطرية. إذا رأينا أحيانًا أن رغباتنا تتعارض مع القوانين الفطرية للقرآن واعتبرناها سببًا في تقييد أنفسنا من الانصياع لبعض هذه القوانين، فإن السبب الوحيد هو أننا لم نفهم أنفسنا بشكل صحيح. إذا عرّفنا أنفسنا كجسم على مستوى جماد أو نبات أو حيوان أو ملاك، فسوف نركز بطبيعة الحال فقط على إشباع احتياجاتنا المادية والنباتية والحيوانية والعقلية، بينما الفطرة التي خُلِقنا عليها والتي يتحدث عنها القرآن، هي شيء أسمى من ذلك بكثير! إن الله ينظر إلينا كإنسان، وقوانين خلقه تتناسب مع الجانب الإنساني وماوراء العقلي من وجودنا.
إن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب مقدس سماوي بل هو كتاب تم تأليفه وإرساله إلينا من قبل خالق الكون ومهندس الإنسان. إنه يحتوي على أكثر المعلومات تخصصاً وعلماً ودقة وصحة حول عالم الخلق، لذا فهو أفضل مصدر علمي لفهم الإنسان والكون المخلوق.
في الواقع، ليس لدينا كبشر دليل أدق وأكثر توثيقاً وتخصصاً لاكتشاف عالم الخلق من القرآن الكريم، إذ يُعتبر القرآن الكتاب الوحيد الذي لم يحدث فيه تحريف والذي أُرسل من قبل الخالق للمخلوق، وبالإضافة إلى ذلك، يعتبر القرآن الكتاب الوحيد المعياري والعلمي لجميع مجالات المعرفة، وبالتالي يمكن الاعتماد عليه كمعيار لقياس صحة وصحة العلوم مثل الفلسفة والتصوف والفقه وعلم النفس وعلم الاجتماع والإدارة وعلوم التربية والفن والتاريخ.
القرآن هو مصدر العلوم
إذا توصلنا يومًا ما إلى درجة النضوج التي تجعلنا نستخدم القرآن ككتاب علمي، فلن تكون هناك نهاية للمعرفة البشرية. إن فهم عظمة الله كمُرسل القرآن يُظهر عظمة الإنسان كمتلقٍّ له، ويُبيّن شأن القرآن وعظمته، ولكن الوصول إلى هذا الفهم يتطلب معرفة صحيحة عن الإنسان ككائن، ومعرفة صحيحة عن الله كمحبوب وحيد للإنسان.
الآن وبمجرد أن ندرك أنَّ حقيقة وجودنا وأصلها تقوم على أساس المعرفة القرآنية، وأن الله هو الوحيد الذي يدرك حقيقة خلقنا واحتياجاتنا بالكامل، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل أن القرآن هو المصدر الوحيد لتوجيهنا وإرشادنا، وهو الفاصل بين كل المعارف في مجال معرفة واستكشاف وجود الإنسان. إن القرآن هو فعلاً ميثاق الخلق ومعيار لقياس صحة وصواب العلوم مثل الفلسفة والتصوف والفقه وعلم النفس وعلم الاجتماع والإدارة وعلوم التربية والفنون والتاريخ وغيرها. لأنه في جميع هذه المجالات يقدم معيارًا ومقياسًا علميًا أكثر توافقًا مع أهداف حياتنا على الأرض. في الواقع، فإن القرآن ليس مجرد مقدمٌ للعلوم، بل هو مصدر كل العلوم. إذا تخلينا عن القرآن واخترنا مرجعًا آخر لمعرفة أنفسنا، فلن نصل إلى النتيجة المرجوة بالتأكيد وسنتعرض للضرر بدلاً من الفائدة. إذا بلغنا مرحلة استخدام منشور الخلق أي القرآن ككتاب معياري في تنظيم كافة شؤون حياتنا، فسوف نعيش تجربة السعادة والسكينة الحقيقية.
في هذا المقال تحدثنا عن حقيقة أن القرآن هو ميثاق الخلق وأساسه، وأن الكون بأكمله قد تم تنظيمه وخلقه وفقًا لمبادئ القرآن وقواعده. إنه كتاب أعطاه الله للإنسان كمرشد ومخطط للوصول إلى هدف الخلق، وقمنا بتحليل حقيقة أن أي تغيير في المعايير المقدمة في القرآن سيكون مضرًا لنا.
في المقالات التالية سوف نناقش الهدف من خلق الإنسان من وجهة نظر القرآن وكيفية الوصول إلى ذلك. يسرنا أن تشاركنا آراءك عن هذا الموضوع.