ما معنى صيرورة الإنسان وما هي عمليتها؟

جدول المحتويات
الحياة هي مسار صيرورة الإنسان، ولكن كيف؟

الحياة هي مسار صيرورة الإنسان، ولكن كيف؟

ربما واجهت أنت أيضًا مصطلح “الصیرورة” من قبل. لكن ما المقصود بصيرورة الإنسان؟ ما الذي من المفترض أن نصبح عليه، وكيف سيحدث هذا الأمر؟ معنى “الصيرورة” في المعاجم اللغوية هي التحوّل من حالة إلى حالة أخرى، ومعنى “التحوّل” واضح للجميع. السؤال الذي نحن على وشك الإجابة عليه الآن هو: “ما الذي سنتحول إليه، ولماذا يحدث ذلك؟

إن مسار حياتنا هو رحلة لتحقيق هدف خلق الإنسان، بغض النظر عن وعينا واستعدادنا له، أو جهلنا و ترددنا في الاعتراف باهميته. إننا نتجه نحو تحقيق هذا الهدف، و بناءً على بنية العالم الرياضية، فإننا نتحول إلى شيء جئنا على الأرض من أجله.

لقد ذكرنا أن هذه الدنيا ليست موطننا وإنما قد أتينا من عالم آخر يُدعى الملكوت والذي هو مصدر وجودنا. ذكرنا أيضا أن الجميع منا هو في طريق عودته إلى البيت، بيت يُطلق عليه في العودة اسم دار الآخرة، و نهاية وجودنا ستتضح في هذه العودة. في رحلة العودة إلى الملكوت تبدأ حياتنا الأبدية وفي ظروف الحياة الملكوتية، كما أن مدى تطابقنا وتكيّفنا مع هذه الظروف هو الذي يحدد مدى سعادتنا و راحتنا في الحياة الأبدية.

ولكن، إذا كنا متواجدين في عالم الآخرة من قبل، فما الذي دفعنا إلى الهبوط على الأرض؟ لماذا تركنا بيتنا دون رغبة وأجبرنا على خوض هذه الرحلة المغامرة؟

رحلة لتحويل القدرات الكامنة

التطابق مع ظروف حياة الآخرة هو في الواقع التطابق مع مصدر حياتنا. كما ذكرنا من قبل، فإن هذا التطابق يعني تحويل الإمكانيات الفطرية والطاقة الذاتية لوجودنا إلى مبدأ حياتنا، أو إلى المحبوب الّلامتناهي، الذي هو الله. لذا، فإن شرط سعادتنا وسكينتنا وسعادتنا في الحياة الخالدة هو التطابق أو التحوّل. في النصوص الفلسفية، يُستخدم مصطلح “التحوّل” أو “صيرورة الإنسان” لهذه العملية.

تخيلوا بذرة تفاح صغيرة. إذا قلنا أن هذه البذرة تحتوي على شجرة تفاح أو حتى غابة كبيرة من أشجار التفاح، فهل أخطأنا في قولنا؟ غابة من أشجار التفاح هي أقصى درجات الكمال التي يمكن أن تتحقق لأي بذرة تفاح. هذه القوة المستترة في البذرة تسمى “الإمكانية“. الأمر الأهم هنا هو أنه لكي تتجلى قوة بذرة التفاح، أي لتحقيق المزيد من الكمال وتحويلها إلى كائن قادر بمزيد من القدرات، أو كما يُعبَّر عنه في فلسفة اللغة: لتطبيق تلك القوة، يجب للبذرة أن تتواجد في بيئة مناسبة. البيئة المناسبة للبذرة هي التربة. عندما تُزرع البذرة في التربة تكون في غلاف مغلق بارد وثقيل، بعيدا عن كل ما هو موجود على سطح الأرض. إلى أن يأتي يوم يكسر فيه البرعم الصغير قشرة البذرة وترجع البذرة إلى سطح الأرض مرة أخرى، هذه المرة بشكل جديد. وهكذا تخطو شجرتنا الصغيرة خطوة صغيرة في طريقها لتحقيق كمالها وقريبًا يمكنها أن تنتج آلاف التفاحات التي تحتوي كل تفاحة على بذور للزراعة.

لا تتحول البذرة الصغيرة إلى شجرة مثمرة إلا بعد التواجد في بيئة التربة. والشجرة، على عكس البذرة، مستعدة للاستفادة من جميع المواهب الموجودة على الأرض مثل الماء وضوء الشمس والهواء، وتنتج الأغصان و الأوراق و الأزهار، وتستقبل الماء والضوء والهواء و من خلال التمثيل الضوئي يمكنها أن تعيش وتنتج فواكه باستخدام هذه الإمكانيات.

تحوّل و صيرورة الإنسان في بيئة الدنيا المحدودة

إن الجانب الإنساني من وجودنا يشبه تلك البذرة. إن وجودنا عبارة عن مجموعة من القدرات غير المحدودة التي تحتاج إلى بيئة خاصة لتسير نحو الكمال. العالم المادي هو أفضل مكان لازدهار الجانب الإنساني، حيث أنه ينمو في الجسم المادي، ويظهر صفاته وكمالاته، ويكبر، ويستعد للعودة إلى موطنه الحقيقي، الذي هو عالم آخر. هذه العملية هي عملية صيرورة الإنسان.

إن موطننا الحقيقي هو العالم الذي يمكن أن تتجلى فيه جميع الخصائص غير المحدودة للجانب الإنساني من وجودنا، وهذا العالم هو تماما كبيئة التربة لبذرة التفاح والوسيلة الوحيدة لإعدادنا لتحقيق قدراتنا. إن الجانب الإنساني من وجودنا لانهائي، تماما مثل محبوبنا اللانهائي، أي الله. يوجد في وجودنا عطف غير محدود، مغفرة غير محدودة، جمال غير محدود، وكل ما هو مثالي في مقياس لامتناهي، ولكن من أجل أن تظهر هذه القدرات، نحتاج إلى تحمل الضغوط في هذا العالم المحدود، لنجتاز عملية التحول و صيرورة الإنسان.

إن محدودية هذا العالم هو تماما مثل الضغط الذي تتعرض له البذرة في التربة، حيث أنها توفر لنا بيئة النمو لكسب الكمالات غير المحدودة التي نحتاجها في العالم الآخر. السمات التي تشبه أغصان الشجرة و أوراقها، تمكننا من القدرة على العيش في ظروف غير محدودة في العالم الآخر. في هذه الرحلة وبعد أن نتجاوز العالم الضيق و نتركه، لا تعد روحنا كما كانت من قبل. إما أنها تحولت وتجسدت بكامل قواها وتمكنت من الوصول إلى تجمع للكمالات الإلهية، أو أنها لم تكتسب السمات اللازمة ولا تستطيع التواصل و التطابق مع ظروف الحياة الأخروية وتتلاشى مثل شجرة نمت في أرض يابسة مقفرة.

هدف جميع الأعمال هو التحول

كل من يدرك كيفية وسبب عملية صيرورة الإنسان، يقوم بإعطاء الأولوية لجانب واحد فقط في جميع مساعيه وأعماله، وهو أن جميع أفعاله تُتَوّج بالتحول الإنساني. إن تحقيق مثل هذه النتيجة يتطلب منا أن نهتم بأنفسنا ونحرص على تطويرها والتخطيط لصيرورتنا. فكما أن كل همّ الشخص الرياضي هو تحقيق هدفه المحدد، فإنه يخطط جميع أفعاله وفقا لهذا الهدف، فتراه يُراعي ذلك في تناول الطعام، والراحة، أو المشاركة في التدريبات، كل أعماله تابعة لتحقيق النتيجة التي يرغب فيها. هذا هو الحال ايضا لمن يريد أن يتشبّه بالله، اذ أنه يتوجب عليه أن ينظم جميع أعماله وفقاً لعملية الصيرورة التي شرحناها.

إن جميع جوانب حياتنا الفردية والعائلية والاجتماعية والسياسية والعلمية والفنية، وحتى العبادات والأمور المقدسة، هي وسيلة ومقدمة لتحوّلنا الإنساني. إن مسار حياتنا هو صالة للتمرين، وما يجعل أعمالنا وعباداتنا تؤدي إلى تحول قدراتنا الإمكانية إلى قدرات فعلية، هو الاعتقاد بأن كل فعل و عمل يجب أن يكون بهدف الصيرورة و التحوّل الإنساني.

في هذه المقالة، قمنا بشرح الصيرورة الإنساني وأشرنا إلى أن هدف رحلتنا المليئة بالمغامرات هي التحوّل و الصيرورة. لقد جئنا لكي نتحول إلى جميع الكمالات التي وهبها الله في داخلنا كوديعة. جئنا لنتحمل القيود والضغوط ونجد الطريق الصحيح لتحويل أنفسنا إلى ما ينبغي أن نصبح عليه و لنؤدّي الأمانة التي استودعها الله عندنا، و هي روحنا التي هي وجودنا الأبدي. يتم تحقيق هذا التحول من خلال التشبه بصفات الله،  مما يسمح لنا بتنمية القدرات اللازمة للاستقرار في موطننا الحقيقي، وهو عالم الملكوت أو حضن الله.

اكتب رأيك