لماذا وُلدتُ؟ ما هو هدف خلقي؟
ربما شغل هذا السؤال أذهان الكثيرين منا: “لماذا وُلِدتُ” أو “ما هو هدف خلقي؟” قبل البحث عن إجابة لهذا السؤال علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا يخطر على بالنا هذا السؤال؟ لماذا مثلا لا نتساءل حول هدف الله من خلق الماء؟ حتى سماع هذا السؤال يبدو أمرا غريبا بالنسبة لنا، لأن الإجابة عليه تظهر عمليًا بمجرد الإحساس بالعطش. حتى الإنسان القديم لم يفكر في مثل هذا السؤال أبدًا ، فإننا نعرف الماء و ندرك فوائده لجسمنا وللحيوانات وللنباتات و للعالم، وعلى الرغم من أنّ المواصفات الخاصة للرابطة الهيدروجينية لذرات الماء لا تزال غير معروفة تمامًا بالنسبة لنا، إلا أن هذه المعرفة القليلة التي نملكها حول طبيعة الماء وأهميته في حياة البشر تكفي لمنعنا من التساؤل عنه بهذا الشكل.
ولكن ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال: “لماذا ولدتُ؟ و ما هو هدف خلقي؟” إننا نتساءل بشكل متكرر ونسارع بالتصورات والأوهام عن سبب وجود الإنسان. لقد قمنا بمحاولة العثور على إجابة بالاعتماد على المعرفة والعقل البشري المحدود، و قدمنا مجموعة متنوعة من النظريات والافتراضات للرد على هذا السؤال. ولكن لم تكن أي من هذه الافتراضات البشرية مقنعة لنا، لان جذور مثل هذا السؤال تتعلق بنظرتنا وفهمنا لذاتنا والتفكير بمعرفة أنفسنا. إذن إذا لا تزال الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة لنا يجدر بنا أن نعود إلى الصف الأول و الصف الثاني في مدرسة علم الإنسان.
الحب هو مبدأ الحركات

يكمن “الحب” في أساس كل حركة وعمل في عالم الوجود، ذكرنا إن ما يجذبنا نحو اكتساب الكمالات المتنوعة هو الرغبة أو الطلب أو رغبتنا في امتلاك تلك الكمالات. نحن نرغب في الحصول على أشياء لا تشكل جزءًا من ثرواتنا الداخلية والخارجية، وبالتالي تسعى نفسنا اللامحدودة والتي ترغب في اللانهاية للحصول عليها بكل شغف وحماس. لو لم نكن عاشقين للجمال، والثروة، والمعرفة، إلخ، فلن نقوم أبدًا بجهد أو سعي للحصول عليها. ولا يمكن لأي شخص أن يبدأ في الإنتاج أو الاكتشاف أو الابتكار بدون حب ودافع لتحقيق هدف محدد. هل نحن على استعداد على تحمل التحديات العديدة التي تواجهنا في سبيل الوصول إلى محبوباتنا دون الرغبة والطلب؟ لذلك لا يمكن أن يكون أكبر حدث في الوجود مستثنيًا من هذه القاعدة، وهو خلق الإنسان وما يتبعه من جهود في هذا العالم.
يحب المعلم أن يرى جميع كمالاته العلمية والمعرفية في طلابه، و يحب المدرب الرياضي أن يعلّم جميع مهاراته وفنونه الرياضية والقتالية لفريقه. الإنسان هو المرآة الوحيدة التي يمكنها عرض جميع كمالات الله وصفاته باعتبار أن الله هو خالق الإنسان ومرشده.
قد منحنا الله الذي هو ذات الكمال المطلق، القدرة والسعة والفرصة والكفاءة للوصول إلى كمالاته بكل محبة وسخاء، لكي نتمكن من الوصول إلى أسمی المقامات المؤهلة بهذه النعمة. لذلك دخلنا إلى هذه الدنيا ككائن له قدرة على استيعاب مثل هذه الهبة العظيمة، لنختار بأنفسنا مصير الكمال أو السقوط. هذه الجدارة لا تسرنا إلّا عندما ندرك بحقٍ أن الله قد جعلنا جديرين ولائقين بهذا النضج.
قد نكون الآن أقرب قليلاً إلى الإجابة على سؤال “لماذا وُلدتُ؟”
الهدف الأعلى
سبق وذكرنا أنّ الله الذي يتسم باللانهائية في جميع صفاته وكمالاته، قد جعل وجود الإنسان لائقًا بظهور جميع كمالاته وجلبها. لهذا السبب نحن ككائنات تتوق إلى اللانهائية ونسعى جاهدين للوصول إلى ما نعتبره كمالًا ولا نتوقف لحظة عن السعي وراءه. إن محبوبنا الحقيقي هو المحبوب للأنا الحقيقية أي “الله” وهو نفس الكائن الذي يشبع رغبتنا في اللانهاية ويخلق السعادة والسكينة والحب فينا. وبالتالي يمكننا القول بثقة إنّ جميع جهودنا في هذا العالم تتجه نحو الوصول إلى هذا المحبوب. إذن نحن ككائنات لانهائية نسعى إلى محبوب من نوع لانهائي وقد نخطئ في تشخيصه ونبحث عن السكينة والحب والسعادة بشكل خاطيء في الثروة والقوة والشهوة والشهرة والعلم وما إلى ذلك. الحقيقة هي أنّ هدف الله من خلقنا ليس إلّا للوصول إلى الحب والكمال المطلق وأن نصبح مشابهين له. هذه هي أوضح إجابة يمكننا تقديمها لسؤال “لماذا وُلدتُ؟”
نحن محبون للكمال المطلق، و تكمن هذه الرغبة في جوهرنا وفطرتنا وإذا أعجبنا بشيء أو شخص في هذا العالم، أو إذا سعینا إلى اكتساب كمالات مختلفة من فرع إلى فرع آخر، فالسبب في ذلك یعود الی أننا لا نعرف أصل هذه الكمالات بشكل صحيح ونبحث عنها في وجود غير الله، غير مدركين أنه لا يوجد كمال في الكون إلا في وجود الله المطلق واللامتناهي.
بما أنّ الإنسان قد نُفخت في وجوده النفخة الإلهية، فهو كائن لا نهائي يتجه نحو الصيرورة إلى اللانهاية ويميل إلى العظمة. الهدف المرجو للإنسان هو أن يصبح مثل “الله”، صاحب كل الكمالات، وإلا فلن يصل إلى السكينة. لذلك يجب أن يكون قادرًا على إزدهار كل مواهبه اللانهائية التي وضعها الله في وجوده بلطفه وعنايته، وأن يصبح أكثر تشبها به يوماً بعد يوم.
دور المحبوب الحقيقي في الحياة
عندما نعتقد أن هدف خلقتنا هو التشبه بالله الذي هو السبب في “لماذا وُلدتُ؟”، فإننا نعني بذلك أن هدفنا الحقيقي ليس أن نصبح أمّاً أو أباً أو ثريّاً أو مشهوراً أو معروفاً أو عالماً أو طبيباً أو مهندساً أو مجتهداً أو فيلسوفاً أو كاتباً و غير ذلك وإنّما هذه أدوات لتحقيق هدف أعلى. إن هدفنا ینبغي أن نكون ونظل إنسانًا، لكي نعيش حياة سعيدة هنيئة مليئة بالحب وتستند إلى ما يروقه المعشوق الحقيقي، وفي الوقت نفسه نحقق السعادة والفلاح في الحياة الأبدية.
هذا المعشوق الحقيقي هو الذي يوجّه جميع أنشطتنا في الحياة ويوجهنا في أفعالنا وسلوكنا ويجب علينا أن نكون مهتمين بالعناية بنفسنا العزيزة كالأم التي تهتم بنمو وتطوير طفلها، و أن نبحث عن السلوك الصحيح في كل مجالٍ نعمل فيه لكي نتقرّب إلى محبوبنا أكثر و نصبح أكثر شبها به يوما بعد يوم.
أدركنا في هذا المقال أننا لم نخلق عبثًا وإنّما يكمن هناك هدف جميل وراء سؤالنا هذا: “لماذا وُلدتُ؟” و الإجابة عن ذلك لا تکون إلا “الحب” الذي يضع واجبا ثقيلا على أكتافنا. والحقيقة أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي منحه الله جدارة التشبه بصفاته وأسمائه من بين جميع الكائنات في هذا الكون. لذا يجب علينا أن نسعى بامتنان لهذه النعمة من أجل تحقيق واجبنا وعدم الوقوع في متاهات الطرق الخادعة حولنا المملوءة بالزخارف.