على الرغم من وجود محبوبات عديدة للإنسان، لماذا يُعتبر الله الإله الوحيد للإنسان؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولاً شرح معنى كلمة “إله” في عبارة “لا إله إلا الله“. بشكل عام، كل ما يصبح “محبوبًا” من خلال “الموافقة” مع مُحبه فهو “إله“، وهذه المحبة تؤدي إلى “الرغبة”، و نتيجة لهذه الرغبة نقوم بتنظيم تصرفاتنا وخططنا للوصول إلى المحبوب.
إن كلٌ من احتياجات القوى الخمس لدينا تعتبر محبوبا في مكانة “إله” لكل قوة، ولذلك فإن “الإله” هو الشيء الذي يصبح في رأينا محبوبًا بما يكفي لكي يجعلنا مولعين و والهين به إلى درجة أنه يسيطر على تصرفاتنا وردود أفعالنا. تعتبر هذه المحبة أساس كل رغبات الإنسان واحتياجاته وشهواته. لذلك فإن فقدان الرغبة والشهوة تجاه احتياجات كل مستوى من جوانب وجودنا يُعتبر علامة على اضطراب في نظام حبنا، ومرض محتمل في تلك المرتبة بشكل عام. إن الإنسان الذي لا يشتهي الطعام ولا يشعر بالشهوة تجاه الطعام يتعرض لسوء التغذية وضعف الجسم على مر الزمن، ومن يفتقر إلى الرغبة والاهتمام في التعلم – في أي فرع من الفروع العلمية – سوف يصاب بمرض خطير، وهو الجهل.
ولكن، ما هو معنى شعار الدين الإسلامي المعروف: “لا إله إلا الله”، الذي ينفي وجود أي إله غير الله، ويعتبر “الله”، الإله الوحيد للإنسان؟ قام الإسلام، من خلال قوانينه وأنظمته، بتنظيم جوانب حياة الإنسان بأكملها ووضعها في إطار محدد. ينبغي هنا أن نتعلم أولاً أي مستوى من جوانب وجود الإنسان الذي يتعامل مع هذه القوانين والأنظمة، وثانياً علينا معرفة الجزء من وجود الإنسان الذي تستهدفه هذه الأوامر والنواهي والقيود.
أي جزء من وجودنا هو المستهدف؟
تجدر الإشارة إلى أن تحديد الأمر والنهي يأتي في سياق يتطلب وجود إرادة واختيار لدى المستهدف. نعلم أن الإنسان، في كل مرتبة من المراتب الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، يشترك في وجوده من حيث الكمالات مع الجمادات والنباتات والحيوانات والملائكة حسب التوالي. كما نعلم أن احتياجات هذه المراتب يتم إدارتها بشكل غريزي. وهذا يعني أنه لا يمكن لأي من المراتب الوجودية، سواء الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو حتى العقلية، أن تكون مستهدفًة للدين وهو يحتوي على الأوامر والنواهي. لو كان الأمر خلاف ذلك، لأرسل الله أنبياء و ملائكة للنباتات والحيوانات لتوجيههم نحو السعادة الأبدية! إذن المستهدف للدين، في جميع القضايا والأحكام الخاصة، هو الجانب ماوراء العقلي أو فوق التجرد فقط، أو بمعنى آخر، المستوى الإنساني من وجودنا.
سبق وأشرنا إلى أن كل مرتبة من وجودنا، بناءً على نوعها وحبها وشغفها، لديها معشوق ومحبوب يُعرف باسم الإله. بما أنّ طبيعة مرتبتنا الإنسانية تنتمي إلى الروح الإلهي، فهي متوافقة مع الله، ولهذا السبب فإنها في طبيعتها عاشقة لذلك الكمال المطلق. في الواقع، لا يتطابق أيّ من كمالات المستويات السفلى من وجودنا مع بعدنا الإنساني، أي أنه لا يمكن لأيٍ منها أن يحتل مكان المعشوق والاله الوحيد لهذا الجزء الإنساني. هذا التشريف مقتصر فقط على مرتبتنا الإنسانية، حيث يكون الله هو الإله والمحبوب الوحيد. عندما يتم نفي وجود أي إله آخر غير الله في شعار التوحيد “لا إله إلا الله”، فهذا يعني أنه لا يوجد في الأساس إمكانية ظهور إله آخر غير الله لمرتبتنا الإنسانية التي تنبع طبيعتها من النفخة الإلهية، و لا يجد الجزء ماوراء العقلي من وجودنا الراحة والسكينة إلا من خلال التآلف والإحتضان لمعشوقها الله. لكل مرتبة من وجودنا معشوق وإله خاص بها، ولكن يجب القول إن الإله الوحيد والمحبوب الذي يكون خاصا لجزءنا الإنساني هو ليس غير “الله”. هذا هو معنى “لا إله إلا الله”.
سبب وجود محبوبات أخرى
ولكن ماذا يكمن وراء وجود محبوبات لجوانبنا الوجودية الأخرى؟ قبل الدخول إلى المرتبة الحيوانية، يجب علينا أن نحصل على كمالات المرتبة النباتية، بما في ذلك النمو الجسمي والقوة البدنية وقدرة التكاثر.
من ناحية أخرى، إذا لم تكن لدينا حياة حيوانية، فإننا سنتوقف في إطار الحياة النباتية. وهذا يعني أن هناك علاقة ثنائية بين المرتبة العليا والمرتبة السفلى من أجل استمرار الحياة والنمو وتحقيق الكمالات في كل مرتبة من الوجود. لهذا السبب وضع الله نفس المحبة والرغبة إلى المتع والنعم في وجود الإنسان و يطلب منا بالفعل الإستفادة من جميع الإمكانيات والنعم الطاهرة والمكتسبة عن طريق الحلال، ووجب علينا أيضا أن نوصل كل جزء من وجودنا إلى محبوبه وإلهه.[1]
أما الإنسان الذي يصل إلى المرتبة الإنسانية و يدير وجوده بسيادة بعده الإنساني، فلا بأس له أن يقوم بإشباع حاجات كل من جوانبه الأدنى، منها الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو العقلية من خلال إيصالها إلى إلهها ومحبوبها، بل وحتى يثاب عليها في الآخرة كونه أطاع أمر الله.
إذاً، أدركنا بإيجاز، أن نفي الآلهة الأخرى من مفهوم “لا إله إلا الله” لا يعني إزالتها، بل نظرًا لأن الدين يستهدف بُعدنا الإنساني، فهو يخضع الآلهة الأخرى لخدمة البُعد الإنساني وفي سياق العلاقة مع هذا الجانب.
[1] . سورة الأعراف، الآية 32