ما هو دور بعدنا الإنساني في تحقيق نظام الحب السليم؟
هذه ليست مزحة! كما ذكرنا في المقالة السابقة، فإن شخصيتنا بأكملها يتم ضبطها بناءً على نظام الحب الذي لدينا، نظام يستند إلى المعرفة والرؤية التي نمتلكها تجاه أنفسنا ويظهر في جميع جوانب حياتنا. بدءا من العلاقات والاختيارات التي نقوم بها إلى نوع أفكارنا وسلوكنا، كلها تتأثر بالقيم التي وضعناها في رأس أهدافنا.
إن الترتيب الخاطئ لنظام الحب أدّى إلى ضلال الكثير من الناس. و بعد قراءة هذه المقالة، قد ندرك أننا نحن أيضا قد لم نتصرف بشكل صحيح في هذا الصدد. لذا فمن المهم أن نعرف خصائص نظام الحب السلیم حتى لا نشعر بالندم لاحقاً. إذا أردنا أن نسير وفقًا لهدف خلقتنا ونحقق السعادة والهدوء الدائمين، فليس لدينا خيار سوى تعديل نظام الحب الخاص بنا. تمامًا كما هو الحال عندما يكون لدينا عمل مهم أو اجتماع أمامنا، فإننا نتحقق بعناية من جدولنا الزمني ونزيل العوائق لكي نمنع الضرر المحتمل. إن فحص نظام الحب والرغبات التي نحملها يساعدنا أيضًا على عدم الوقوع في أوهام وتخيلات سلبية وأن نحافظ على أنفسنا. لقد تحدثنا في مقالة “ما هي أولوياتنا؟ كيف يحصل تكوين نظام الحب الخاص بنا؟” عن طبيعة نظام الحب، و في هذه المقالة نود أن نستكشف خصائص نظام الحب السليم.
خصائص نظام الحب السليم
إن نظام الحب لدينا ليس إلا ترتيب الرغبات والأولويات في كمالات المستويات المختلفة من وجودنا. ومع ذلك، فلا يؤدي أي ترتيب كان إلى تحقيق الهدف. إذا قمنا بوضع الكمالات الجمادية أو النباتية أو الحيوانية على رأس نظام الحب لدينا، فقد خفّضنا أنفسنا إلى مستوى جماد أو نبات أو حيوان. حتى إعطاء الأولوية للكمالات العقلية لا يمكن أن يقودنا إلى تحقيق هدفنا الإنساني. نحن لا نصل إلى نظام حب سليم إلّا بوضع ماوراء العقل وجانبنا الإنساني في رأس كل محبوباتنا وتسليم حكم وجودنا إلى جزءنا الإنساني. والحقيقة هي أنّ تكوين نظام حب سليم يعتمد على وضع جميع قوى النفس تحت سيطرة وإشراف ماوراء العقل و صرف كل همومها وأفراحها لتعزيزه.
لكي نحقق نظامًا سليمًا للحب في وجودنا ونتجنب الانغماس في الغفلة يجب علينا أن نتصرف بحذر، حيث أن ذلك يعتمد على إعطاء الأولوية الأولى لجانبنا الإنساني واحتياجاته ورغباته، بالإضافة إلى إدارة سليمة لبقية قوى النفس. هذا يعني ألا نغفل عن بقية جوانب واحتياجات وجودنا، بل يتعين علينا تنظيم وإدارة هذه الجوانب لكي تكون في مكانها الصحيح وتلبي احتياجاتها بالتوازن المناسب، دون زيادة أو نقصان.
تمامًا كما نحقق الطعم والتركيب المرغوب عند إعداد الطعام من خلال ملاحظة النسب وإضافة المكونات في الوقت المناسب، يجب أن نكون حريصين أيضاً على تنظيم الوقت والكمية المخصصة لكل جانب من جوانب النفس، حتى نصل في النهاية إلى توازن مطلوب في وجودنا.
لماذا يجب علينا إقامة التوازن؟
إنّ تحقيق التوازن هو شرط للحصول على السرور والسكينة. قلنا أننا كبشر نميل إلى اللانهاية ونملك رغبة غير محدودة في تحقيق كل الكمالات، إلّا أنّ ليس بإمكان كل جانب من جوانب وجودنا استيعاب اللانهائية، بل إن الجانب الإنساني فقط و الذي كان جزءًا من اللانهائية غير المحدودة، هو الوحيد الذي بإمكانه تحقيق ذلك. وبالتالي، إذا لم يكن زمام وجودنا بيد ماوراء العقل، فإن جاذبية باقي جوانب وجودنا نحو اللانهائية ستجعلنا نسلك طريقًا صعبًا وعرًا لا ينتهي ويجعلنا أكثر اضطرابًا وحزنًا كلما خطونا فيه.
لا يهم من يدير أمور حياتنا في الأجزاء السفلية من وجودنا، لأن الانحياز إلى أي من هذه المراتب والقوى يشكل خطرًا متساويًا. سواء كانت كل أحزاننا وفرحنا تتعلق بكسب المال والثروة، أو بالسعي للحصول على العلوم والمعلومات، أو بالتطلع للجمال أو القوة الاجتماعية، فإن هدف جميع هذه الكمالات في النهاية ليس إلّا وجود غير هادئ وحياة ضائعة. هذا لأنه لا توجد نهاية في هذه الكمالات، وكلما تقدمنا أكثر زادت رغبنا في طلب المزيد، غیر أنّ بنية وجودنا قادرة على استخدام هذه الكمالات بشكل محدود.
لهذا السبب فإنّ الإفراط أو التفريط في تحقيق الكمالات للمستويات السفلية الوجودية کلیهما خطيران وقد یحرمانا من التوازن. إنّ الجزء الأبدي واللانهائي وغير المحدود من وجودنا هو جزءنا الإنساني، والذي لا ينال السرور والسكينة المستدامين إلا إذا وصل وتواصل مع محبوبه الحقيقي، ولا يمكن ملء هذا الفراغ بالوصول إلى أي من الكمالات الأخرى.
يتحقق توازن بنية وجود الإنسان عندما تعمل كل قواه تحت إشراف جانبه الإنساني حتى يصل إلى نظام حب سليم. إذا لم يكن هناك هذا التوازن في النفس، فإنه سيميل إلى الانجذاب نحو محبوباته السفلية بدلاً من محبوبه الإنساني وسوف يختلّ توازنه الوجودي. وبالتالي يصبح مضطربًا وقلقًا وحزينًا، تمامًا مثل مجتمع فقد السيطرة على الحكم ولذلك فإنه يتعرض للفوضى والاضطراب لأدنى مشكلة ويتجه نحو الدمار.
في الواقع، يعتبر الاهتمام بكل الحاجات والكمالات في مختلف مستويات الوجود طبيعيًا ومرغوبًا بحد ذاته، منه حب الأولاد، والمال، والتجارة، والعلم، إلخ، ولكنه يصبح غير مرغوبا فيه فقط عندما يتنافس ويتناقض مع المحبوب الحقيقي والكمالات الإنسانية لدينا، لأنه عند ذلك سوف يخرجنا عن توازننا الإنساني ويجرنا نحو الهلاك.
في هذه المقالة، تعرفنا على خصائص نظام الحب السلیم وقلنا إن تحقيق التوازن والسكينة والسرور لا يمكن إلّا بحاكمية جانب ماوراء العقلي على وجود الإنسان، وهذا يعني أنه لا یجوز أن تکون أي أرجحية وأفضلية لاحتياجات ورغبات القوى الوجودية الأخرى على الكمالات الإنسانية، ولابد أن يسعى كل وجود الإنسان لتحقيق تلك الكمالات الإنسانية.
على أي أساس قمت بتحديد أولويات حياتك؟ هل تحتل رغباتك الإنسانية مكانة أعلى في قائمة طلباتك؟ هل أثرت هذه المقالة على تنظيم نظام الحب الخاص بك؟ شاركنا آراءك في هذا الصدد.