ما هو الحب ومن هو محبوبنا الوحيد الحقيقي؟
ما معنى الحب؟
ماذا يعني أن تحب؟
من هو محبوبنا الحقيقي؟
ما هو دور الحب في حياتنا؟
هل نحاول يوما أن نكتسب شيئا لا نحبه، و هل نتلذذ من امتلاكه؟
لقد فهمنا في المقالات السابقة أنّ بنية النفس تتشكل من خمسة قوى وهي الحس والخيال والوهم والعقل وماوراء العقل. كل من هذه القوى لديها احتياجات تحاول تلبيتها من خلال الوصول إلى مطلوبها أو معشوقها. ولقد أشرنا أيضا أنه إذا لم يكن هناك توافق بين الطالب والمطلوب أو لم يكن المطلوب وفق احتياج الطالب، فلن يحدث أي طلبٌ على الإطلاق. بالإضافة إلى التوافق والاحتياج، هناك عامل أساسي آخر لازم وضروري لطلب كل شيء وتمنيه وهو “الحب”.
لكن ما هو الحب؟ الحب في اللغة هو الصداقة وميل النفس إلى شيء منشود. فيمكن القول اننا نميل إلى شيءٍ ما بواسطة الحب والرغبة فیه. إن جميع الأمور التي نريدها هي محبوبة و معشوقة لجزء من وجودنا.
السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو: ما هو دور الحب في حياتنا؟ في الواقع إذا لم يوجد حب ورغبة في انفسنا بالنسبة إلى شيء فلن يكون لدينا أي رغبة أو جاذبية تجاهه. يمكننا اعتبار الحب الذي يوجد بين كل جزء من وجودنا وما نتطلع إليه أساسًا لأنشطتنا النفسية. إن هذا الحب هو الذي يوحِّد كل قواتنا، لکي نستطيع تحقيق كل مستويات وجودنا وفقًا لرغبتها.
لكن ما هو “الإله” وما علاقته بالحب؟ إن “الإله” هو أي شيء يكون مرغوبًا ومحبوبًا في إحدى أجزاء وجودنا، و هذا يكون لأننا قد تعرفنا وجوده وتوافقه وتعرفنا عليه وقدرتنا على استخدامه في السابق. هذا الحب الذي يولد من هذا المحبوب يخلق “الرغبة” في وجودنا، وبتبعه نحن ننظم سلوكنا وخططنا لتحقيقه.
تعتبر احتياجات كل من قواتنا الخمسة إله ذلك الجزء أو معشوقه وقد تصبح محبوبة لدرجة انها تجعلنا مولعين ومغرمين بها، وتوجه جميع أفعالنا وتفاعلاتنا نحوها. هذا الحب ليس غير مرغوب فيه بحد ذاته وإنما هو ضروري لحياتنا؛ لأنه الأساس لجميع رغباتنا واحتياجاتنا وشهواتنا. وفي الواقع إذا لم يكن لدينا رغبة وشهوة تجاه احتياجات كل مستوى من وجودنا، فذلك يعني أن نظام الحب لدينا يعاني من مشكلة واننا نعاني من مرض في ذلك المستوى.
محبوبنا وإلهنا في الجزء الإنساني
كل مرتبة من وجودنا لديها محبوب وإله خاص بها بناءً على توافقها ومحبتها وميلها. هناك جانب إنساني في وجودنا أيضًا يتوافق مع محبوبه الخاص والذي یمیل إليه ويعطيه المحبة، وبما أن ماهية الجزء الإنساني من وجودنا هي روح إلهية ولذلك فإنها تتوافق مع الله سبحانه وتعالى وتعشق في ذاتها ذلك الكمال المطلق. ليس لأي من الكمالات في المستويات الأدنى من وجودنا تناغم مع جانبنا الإنساني، وبالتالي فإنها لا يمكنها أن تحتل مكانة المحبوب والإله لهذا الجانب، وهذا هو کرامة للجانب الإنساني في وجودنا أن يكون الله فقط هو إلههُ الحقيقي والمحبوب. إذا رأينا أنه يتم نفي وجود أي إله سوى الله في عبارة “لا إله إلا الله”، أي أنه لا يوجد إله آخر غير الله للجانب الإنساني لنا الذي لديه طبيعة إلهية. في الواقع، فان جانبنا ماوراء العقلي يستقر فقط من خلال التواجد والتلاحم مع الله. كل مرتبة من وجودنا لديها إلهها ومحبوبها الخاص بها. المعشوق الحقيقي وإله “الجانب الإنساني” في وجودنا هو فقط وحصريًا الله. وبناءً على ذلك، ندرك ما هو الارتباط بين عبارة “لا إله إلا الله” ومفهوم الحب.
ما هو معيار تقييم الحب؟
ما هو دور الحب في حياتنا وما هي زواياه المختلفة؟ إن بناء وقوانين نظام الخلق مصممة بحيث أن الاختبارات الإلهية تجري في جميع شؤون حياتنا وفي كل لحظة من لحظاتها.[1] إن هذه الاختبارات الإلهية تقيّم الأولويات التي قمنا بترتيبها وفقًا لنظام الحب الذي وضعناه.[2] ولکي نتمكن من معرفة مدى وجود الحب الإلهي الحقيقي في وجودنا، يجب أن نخضع للاختبار.[3]
إن المعيار والمؤشّر لتقييم صحة نظام الحب في وجودنا هو أن يكون معشوق كل جزء من وجودنا حائز على أهمية وحدود محددة في إطاره المعين. على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون للعمل أو اكتساب المعرفة أهمية تؤدي إلى تقليل العواطف أو الوقت الذي نقضيه مع عائلتنا. أو لا ينبغي الاهتمام بالجمال أن یتسبب في مشاكل مالية لنا.
إن الله سبحانه وتعالى يعترف بمحبتنا لأفراد عائلتنا، بیوتنا، ممتلكاتنا، التجارة والثروة، ويرغب منا أن نحب كل شيء في حدوده المحددة وأن تكون محبتنا لمعشوق مستوانا الإنساني، أي الله وأهل البيت والجهاد في سبيله، أعلى من أي حب آخر.[4] إذا حدث ذلك، فإنه مؤشر على أننا قد وصلنا إلى معرفة صحيحة لذاتنا الحقيقية والأبدية والعلاقة التي لدينا مع الله.
کما أن نفس العلاقة التي نجربها في الحب الأرضي تنطبق أيضًا فيما يتعلق بالحب لجانبنا الإنساني في وجودنا، وسلوكنا يحدد مدى اهتمامنا ومحبتنا لمحبوبنا. هذه الاختبارات توضح أولوية قلوبنا بالنسبة لنا أيضًا. في الواقع، إن الحاكم الحقيقي لوجودنا هو الجزء الذي يفوز محبوبه في معركة الاختيار بين مختلف المحبوبات. إذا كان الله هو المحبوب الأول في قلوبنا حقًا، عندما يأتي وقت الاختيار، سنتخلى عن الآلهة السفلية ونضحي بكل شيء لإرادة ورغبة محبوبنا الحقيقي.
من هو محبوبنا؟
يبذل كل منّا قصارى جهده لتلبية احتياجات المراتب من وجوده التي تحمل أهمية قصوى بالنسبة له، ويعطي بهذا العمل الأصالة لتلك المرتبة من الوجود، سواء كانت المرتبة جمادية أو نباتية أو حيوانية أو عقلية أو إنسانية. وهذا لأن كل مرتبة من وجودنا، إذا كنا قد اتخذناها الأصل في وجودنا، فمن الطبيعي أنها سوف تُخضعنا لإله ذلك الجزء بسبب الحب الذي يوجد بين تلك المرتبة ومحبوبها.
وبما أن الإنسان یتمتع بالمرتبة الإلهية، فإنه إذا قام بتبعية أجزاء وجوده السفلى، فسوف يخرج من مرتبة الإنسانية، لأنه قد تخلى عن الإله الحقيقي واختار آلهة المستويات الأخرى من وجود كمحبوب رئيسي وشغل نفسه باتباعهم. هذا يعني أنه قد أصبح أسير للهوى الذی هو كل ما نرغب فيه في مرتبة أدنی من ماوراء العقل. إذا كنا محبین لمحبوبنا الحقيقي ونعتبره محبوبنا حقا، فلن نقبل لنفسنا إلها غيره، ونصل إلى المعنى حقيقي لـ”لا إله إلا الله”.
في هذه المقالة شرحنا أن الحاجة تولّد الحب وتدفعنا للسعي نحو الطلب. إن جميع احتياجات مراتب وجودنا في حكم المعشوق والمحبوب لتلك المرتبة وبالتالي تكوّن إله ذلك الجزء من وجودنا. لكن الإله والمحبوب الحقيقي الوحيد لوجودنا هو الله سبحانه وتعالى، و لا تسكن أنفسنا ولا تستقر إلّا بوجوده. وإذا عرّفنا الله سبحانه وتعالى بصفة محبوبنا حقا، فسون نتخلى عن آلهة المراتب السفلى ونضحي بها كلها لطلب محبوبنا الحقيقي.
في المقالات التالية، سوف نشرح ضرورة تبعية المعشوق ومحبوب الجزء الإنساني من الوجود تدريجيًا ونتعرف على الدور الحقيقي لهذا الحب.
[1] . سورة البقرة: 155
[2] . سورة الملك: 2
[3] . سورة الحج: 11
[4] . سورة التوبة: 24