ما هي قوة “ماوراء العقل”؟ أعلى درجة من مراتب وجود الإنسان تسمّی “ماوراء العقل” وتدعى أيضا ب”القلب” أو “الجزء الإنساني”.
إن الإنسان يكره القيود ويسعى دائمًا إلى تجاوز الحدود المعيّنة مسبقًا، إلا أنه أكثر اتصالًا بالجزء المحدود والمادي من وجوده والذي يتلخص في حدود العالم المادي. ولهذا السبب، فهو محدود بالأطر والقيود. من بين قوانا الوجودية الخمس، هناك جزء وحيد غير محدود ولانهايي يسمي “ماوراء العقل” والذي يطمح إلى اللانهاية، وزوجه وحبيبه هو الكمال المطلق. ولكن ما هو الجزء ماوراء العقل؟
يُعتبر جانب “ماوراء العقل” من المستويات الخمسة لوجود الإنسان ومهمّته هو إنشاء العلاقات مع الغيب. بعد دخول الروح أو النفخة الإلهية إلى الجسد، يصبح الإنسان ذا “نفس” تتكون في حد ذاتها من قوى ومستويات مختلفة، أحدها هو “ماوراء العقل“. واستكمالاً للإجابة على السؤال أعلاه، لا بد من القول إن “ماوراء العقل” هو أعلى مستوى من مستويات الوجود الإنساني، وهو الأكثر بعدًا عن العالم المادي. هذه القوة هي أعلى من “العقل” و”الوهم” و”الخيال” و”الحس”، و تربط نفسها باللانهاية بالخروج من ضيق الأطر المادية.
قد يبدو هذا الاسم غريبا وغير مألوفا وقد يخطر ببالك أنّه قد تكون أسماء أخرى لقوة ماوراء العقل. في الفلسفة الإسلامیة تُستخدم مصطلحات مثل “القلب” أو “الجزء الإنساني” أو “فوق التجرد” لتسمية هذا الجزء من الوجود إلی جانب “ماوراء العقل”. سوف نقوم بشرح التفاصيل عن هذا الجزء الغریب من وجودنا.
ما هو ماوراء العقل أو القلب أو الجزء الإنساني من الوجود؟
النفس الإنسانية لها خمسة قوات شرحنا أربعة منها بالتفصیل: الحس والخیال والوهم والعقل وماوراء العقل. لکلٍ من هذه الأجزاء زوجها أو معشوقها الخاص. بعبارة أخری إنّ للنفس الإنسانية قوات تبدأ من الحس الذي هو أکثر القوات جسمیّاً وتستمرّ إلی ماوراء العقل أو فوق التجرد الذي هو أکثر قوات الإنسان غیرمادیّةً وتجرُّداً و تملك أعلی مرتبة في النفس.[1] إن جزء ماوراء العقل من وجود الإنسان هو الجزء الوحيد الذي يكون ليس محدود مرتبطاً بأمور ماوراء المادّة ویتغذّی من هذه الأمور للنمو. من خلال هذه القوة فقط تصبح علاقة الإنسان بالعوالم الغیبية و غير المادية ممكنة.
تعتبر النفس الإنسانية مجموعة من القوی والمراتب التي تحدّثنا عنها في مقالات مختلفة. لا يمكن للإنسان أن يصل إلى السكينة والهدوء في حياته إلا من خلال حاكمية قوة واحدة فقط من بين كل هذه القوى على وجوده. وكما أثبتنا في المقالات السابقة، بما أنّ الإنسان كائن كمالي راغب في اللانهاية، فإن الجزء الوحيد الذي يمكن أن يكون حاكمًا عادلاً لوجوده المضطرب هو الجزء اللانهائي منه والذي هو المصنوع من اللانهاية والموصوف بها.
إن جزء ماوراء العقلي من وجودنا معصومٌ وبريءٌ وغير ملوث، لذا فإن وجود مشاكل فيه أو عدم قدرته على إنشاء علاقات مع عالم الغیب أو عدم امكانيته على التمتع بالرزق المعنوي، كلها من مؤشرات على مدخلات غیر صالحة من سائر قوی النفس. هذه القوة هي في قمة الرقة والعطف مقارنة بسائر قوى النفس البشرية، ومن الطبيعي أن تكون اللذات المتعلقة بها أعمق وأعلى من سائر اللذات. کلّما زادت تجربة لذّات ماوراء العقل في وجودنا كلما ارتفع مستوى صحتنا العاطفية وتعاطفنا. يملك جميع البشر القدرة على الاستمتاع باللذات الحسية، والخيالية، والوهمية، والعقلية، وماوراء العقلية، غير أنّ حجاب المادة يحول دون تأثير هذه اللذات عليهم. وكلما ابتعد الإنسان عن اللذات المادية، أصبح فهمه للمتع التي هي مرتبطة بالقوة ماوراء العقلية أكثر ديمومة. يتغذى جزء ماوراء العقلي من خلال محبوبه ومعشوقه من ناحية، ومن خلال التغذية الصحيحة للأجزاء السفلى من وجود الإنسان من ناحية أخرى.
ما هي مهمة الجانب ماوراء العقلي للإنسان؟
إنّ إدراك عالم الغيب وإقامة العلاقات بين الإنسان و كافة الجهات غير المادية في العالم يرتبط ارتباطا جوهريا بقوة ما وراء العقل الموجودة في الإنسان. وهذا يشمل اكتساب اللذات الروحية، وتحقيق النمو الإنساني واكتشاف القواعد الموجودة في النفس والسير نحو الكمال. كل هذه التطلعات تعتمد على قوة ماوراء العقل وميزاتها.
في الحقيقة ما يميز الإنسان عن مخلوقات العالم المادي کافة يتعلق بهذا الجزء فقط، ولا يكون الإنسان إنسانا ولا قادرا على النمو الإنساني إلّا من جراء امتلاكه قوة ما وراء العقل.
كما ذكرنا سابقا فإنّ الإنسان يشترك في جمیع أجزاءه السفلى الوجودية مع الأجسام والنباتات والحيوانات والملائكة، إلا أن الجانب الوحيد الوجودي الذي ينفرد به الإنسان هو الجزء ماوراء العقلي فقط، والذي يُعتبرالأعلى والأسمى في عالم المادة، وهو المسؤول عن توق الإنسان إلى اللانهاية والكمال. هذا الجزء الإنساني من كياننا انفصل عن أصله اللانهائي وجاء بذكرى كونه لانهائيًا إلى عالم المادة المحدود، وإذا لم يتم توجيهه بشكل صحيح فإنه سوف يؤثّر سلبا علی جهودنا كلّها، و بالتالي فإننا لن نصل إلى السکینة والسعادة أبدا. هذا الجانب الإنساني هو الوحيد الذي لديه القدرة على أن يكون لانهائيًا.
حفظ التوازن الإنساني
ولا يمكن إنكار أن الجوانب السفلى من الوجود الإنساني لها أهمية كبيرة أيضا، لدرجة أن إهمالها لن يجرد الإنسان من إنسانيته فحسب و لكنه سيؤدي إلى أن يصبح الجانب الذي يتعلق بماوراء العقل خاليا من المعنى و الهدف. الحقيقة أنّ الإنسان بحاجة إلى سلسلة من الأنشطة الحسية والخيالية والوهمية والعقلية لخدمة جانبه ماوراء العقل. أما إذا تجاوزت هذه الأنشطة حداً معيناً وتغلبت على عقله، فإنها تُخرج الإنسان من حالته المتوازنة والإنسانية. إذن فالتوازن الإنساني يتحقق فقط عندما تكون جميع مستويات وجود الإنسان تحت سيطرة قوة ماوراء العقل و طاعتها. و إذا تولت هذه القوة قيادة وجوده فإنها سوف تعمل كقبطان يوصله إلى الشاطىء الذي يبتغيه.
وكما ذكرنا في المقالات السابقة، فإن ضرورة وجود أجزائنا الحسية والخيالیة والوهمية والعقلية لا يمكن إنكارها أبداً، بشرط أن تكون مجرد أداة للوصول إلى الهدف. كما أن ازدهار ماوراء العقل أو عدمه هو مؤشر على فعالية وقيمة الأجزاء السفلى من الوجود الإنساني.
في هذا المقال شرحنا قوة ماوراء العقل، وما هي صفات زوجها الخاص وقرينها الذي ترتاح إليه. ما هو أصلها ولماذا تعتبر هذه القوة بأنها الجزء الأهم من وجودنا. قمنا أيضا بدراسة العلاقة بين قوة ماوراء العقل كمستوى أعلى من العقل، مع المستويات النفس الأخرى، وتحدثنا عن أهمية إبقاء هذه القوة في القمة من أجل الحفاظ على توازن الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، ذكرنا أن الجزء الوحيد الذي يكون غير محدود في وجود الإنسان والذي لديه القدرة و الاستیعاب على استقبال اللانهاية، هو جانبه ماوراء العقل.
ولكن، ما هو مصداق اللانهاية المحبوبة لدى الإنسان في العالم؟ هذا ما سنصل إليه في المقالات التالية.