ماهي قوة العقل، ومن هو الإنسان العاقل؟
لا راحة لمن لا عقل له!
قد تبدو هذه عبارة بسیطة في الوهلة الأولی، غير أنّ قوة العقل مهمة جدّا بحیث أنّ عدم وجودها یهلك الإنسان. تعتبر قوة العقل معيارٌ للتشخيص واتخاذ القرارات وتحديد الأولويات في مدى العمر المحدود للإنسان. العقل هو الذي يقودنا في قیَمِنا ومشاکلنا وطموحاتنا ومعاييرنا وعشقنا. إنه مبدأ أمیالنا وإذا کنّا عُقَلاء فسوف نبحث عن المصدر لکل شيء. إنّ نطاق إدراك العقل ومعلوماته محصور في إطار عالم المادة، وتماما كالحس والخيال والوهم، فإن للعقلِ إطارٌ يصعب تجاوزه. يكفي أن يُلقي المرء نظرةً عابرةً على القوانين والصيغ العلمية للمعقولات، حتى يجد أنها تشترك غالبا ما في ميزة “عدم البطلان”.[1] على سبیل المثال: اثنان+اثنان هو أربعة دائما.
من خصائص العقل الأخرى هي الوعي الذاتي، لأنه یعرف نفسه ويدرك نواقصه وإذا لم يكن متأثرا بالوهم والخیال فسوف يميز بين علمه وجهله منصفا ویعترف بما لا یعلمه.
سنتطرق في هذه المقالة إلی أنواع ظهورات العقل ونعرّف کلمة العاقل.
العقل في خدمة الجانب الحيواني للإنسان
إذا كان العقل في خدمة الخيال والوهم فإنه يقوم بالتبرير واختلاق الأعذار ويحاول دائما أن يعلّل قراراته الوهمية وغير المنطقية، تماما كالمدرب الذي يقوم بقرارات خاطئة تؤدي إلى هزيمة فريقه، ويلقي اللوم على العوامل الخارجية أمام الإعلام.
العقل السليم هو الذي يكون على علاقة صحيحة مع المعقولات ويستطيع التفكير والفهم والكشف. بعبارة أخرى فإنه قادر على درك الأمور العقلیّة. على سبيل المثال، إذا سُئلنا هل نريد مليار دينار أم مليون، فسوف نختار مليارًا بالتأكيد، وإذا أجبنا بإجابة أخری دون أي سبب یتّضح أن عقلنا ناقص. أو إذا خُيّيرنا بين الجمال المحدود والجمال المطلق واخترنا الجمال المحدود فهذا يدل على خلل في مستوى إدراكنا العقلي. إذن فإنّ نوع تخطیطنا واتجاهاتنا واميالنا وشغفنا يشیرُ إلی مستوی سير عمل عقلنا الصحیح.
ظهورات مختلفة لقوة العقل
لکن ما هي قوة العقل التي هي بهذه الأهمیّة؟ وما هي أجزاءها ودورها ومکانتها في وجودنا؟ إنّ قوة العقل تعتبر من المستوى الرابع من مراتب وجود الإنسان والتي تحتل المكانة بين قوة الوهم وقوة ماوراء العقل، ولا تتطابق و تجد الهدوء إلا بالمعقولات التي هي بصفة زوج ومعشوق. إنّ کل ما یمکن فهمه وإدراکه بالعقل يدخل في فئة المعقولات.[2]
تتجلى قوة العقل في أنواع مختلفة، منها العقل النظري الذي يحدث عند هيمنة قوة العقل على الوجود الإنساني. العقل النظري هو العقل الکاشف عن الکون ويدرك القوانین ويرغب في اکتساب العلم والمعرفة. إنّ وظيفة قوة العقل هي إدراك الماهيات والمبادئ والقواعد، و العقل النظري هو مظهر هذه القوة. الهدف النهائي لهذا الجزء من العقل هو أن ينفق الإنسان كامل جهوده وحياته من أجل اكتساب معرفةٍ يستخدمها فقط للأغراض العلمية. وكل ما نفسره على أنه “ذكاء” یندرج ضمن حدود العقل النظري.
المظهر الآخر من مظاهر العقل هو ذلك الذي يكون في خدمة الوهم والخيال، وقد تطرقنا إلیه في الدرس السابق.
هناك تجلى آخر من مظاهر العقل وهو ما نسميه ب”العقلانية” أو “العقل العملي” وهو الجانب العقلي الذي يميز بين “الخير والشر” وبين “ما يجب” وما لايجب”، و بين “الحق والباطل”.[3] في الواقع يتجلى هذا المظهر للعقل حینما یتم وضع العقل النظري في خدمة “ماوراء العقل” أو الجزء الإنساني من الوجود.
عبر العقلانية نحن ندرك أن السعادة لا يتم الحصول عليها إلّا بالرجوع إلى قوة ماوراء العقل أو الجزء الإنساني من وجودنا. المخاطب الرئيسي في ظل العقلانية هو الله سبحانه والأنبياء. إذا فُقِد هذا النوع من العقل في الانسان فحتى الأنبياء لن يكونوا قادرين على تغيير أي شيء في وجود الإنسان.[4] كل منّا مسؤول أمام نفسه والآخرين بقدر عقلانيته، وليس بمقدار العقل النظري أو معرفتنا المكتسبة.
من هو العاقل؟
العاقل في عصرنا الراهن يطلق على من یستطیع إدارة وتنفیذ أمور حیاته والآخرین من حوله بجدارة. هو بالعادة شخص متعلّم أو لديه كثير من الممتلكات وأموال وسيّارات، أو أنه له علم السیاسة والرئاسة وبعبارة أخری یعرف قواعد العیش الأفضل واستغلال الدنیا جيداً. ولکن من هو العاقل حقاٌ وما هي علامة الشخص الذي يملك عقلا سلیما؟
للإجابة على هذا السؤال لابد أن نبيّن أن المقصود من العقل ليس هو الذكاء، لأننا من منظور العقل النظري یمکننا التمتع بدرجات ذکاء مختلفة، ولكن إن كوننا أذكياء لايعنی بالضرورة أنّنا عقلاء. قد یمکن أن یکون عالم یستخدم علمه لإنتاج القنابل وهلاك البشر ذكيا، ولكن من الطبيعي أن لانسمّيه عاقلاً! من الطرق الجيدة لفهم مدى عقلانيتا هو أن نفحص إتجاه ميولنا و كيف نقضي عمرنا وأوقاتنا وما هي أولويات حياتنا. هل نرید القلیل أم الکثیر؟ هر نرغب بالمؤقت أو المحدود؟ سوف نتمرّن شيئا فشيئا مع هذه المعاییر وکیفیة التقييم في الأمور المختلفة.
في هذا المقال قمنا بتعريف قوة العقل وبیّنّا أهمیّتها وميزاتها وحدّدنا معنى العقل النظري والعملي. ذكرنا أيضا أنّ مستوی عقلنا یتّضح من نوع توجّهاتنا ورغباتنا، وأشرنا إلى أنّ مستوى عقلانیتنا یؤثر علی آمالنا وإهتماماتنا ودوافعنا و أسلوب حیاتنا كله. وفي الختام استنتجنا أنه إذا كنا عقلاء حقا فلن نقوم ببيع الأبدیة اللامتناهية بالدنیا المحدودة.
لمعرفة المزيد عن القوة الأخيرة من قوی النفس (ماوراء العقل) نقترح عليكم دراسة المقال التالي.
[1] . من الواضح أننا لا نقصد هنا الفرضيات العلمية غير المثبتة والتعريف الحديث جداً للعلم الذي قدمه الغربيون، ولكننا نستند إلى علم الرياضيات والقوانين التي يمكن إثباتها.
[3] . إقرأ المزيد حول العقل العملي من هنا.
[4] . للعقل قيود كثيرة لا يمكنه التغلب عليها إلا بمساعدة الأنبياء. هذا لأنّه قادر فقط على فهم بعض الحقائق وحده مثل درك قبح الظلم أو الحسن عمومًا، غير أنه يجد صعوبة في التمييز بين الحق والباطل في كثير من التفاصيل.