ما هو البعد النباتي للإنسان؟
إن كل شيء في الكون، موجودٌ بأنفسنا، فالإنسان هو خلاصة العالم بل ويعادله. و لهذا السبب أطلق المفكرين لقب: “العالم الصغير” على الإنسان بينما شبّهوا الكون بـ: “العالم الكبير”. من خلال دراسة أبعاد وجود الإنسان وفلسفة حياته ودوره في الكون، يتم كشف الستار عن أسرار عديدة في هذا المجال. ومع ذلك، كلما تقدمنا في هذا الصدد نواجه غموضا جديدا، حتى أن شخصا مثل ابن سينا يعترف بعجزه عن فهم عالم الكون بالكامل بعد حياة مليئة بالتفكر والتعقل.
الإنسان كائن متعدد الأبعاد حيث تكمن بعض سماته الوجودية في عمقه. على الرغم من أن الإنسان يظهر في البداية ككائن حي يتحدث ويفكر ويشعر ويتخذ قرارات، إلا أن هذا التصور ضيق ولا يشمل جوانبه المعقدة والمتنوعة التي لا ينبغي تجاهلها. في الحقيقة، فإن هذا التصور يشبه قصة “الفيل في الظلام” حيث اكتسب الأشخاص معرفة سطحية وضئيلة عن طبيعة الفيل. إن وجود الإنسان مميز بأبعاده المختلفة، فكل فكر و هدف وقرار وخطوة يعكس جزءًا من هويته. إذا لم يدرك الإنسان هذه الأبعاد بشكل صحيح، فإنه سيرى نفسه ضائعًا ومشوشًا طوال رحلته في هذه الحياة. في المقالة السابقة، قدمنا تحليلاً شاملاً لوجود الإنسان وركزنا على جانبه الجمادي، وهذه المقالة ستسلط الضوء على “البعد النباتي” للإنسان وستدرس أصل هذا البُعد وتأثيراته بالتفصيل.
ما هو الفرق بين الكائنات الحية وغير الحية؟
تنقسم جميع الكائنات من حولنا إلى قسمين رئيسيين؛ الكائنات الحية والكائنات غير الحية.
تتشابه جميع الكائنات، سواء كانت حية أو غير حية، في بعض الخصائص المادية التي ترتبط بالجسم وتُعرف ب: “البُعد الجمادي”، مثل الوزن والحجم واللون والرائحة وتكوين الاجساد من مختلف العناصر. ولكن، تظهر في الكائنات الحية مثل النباتات والحيوانات والإنسان أفعالًا لا نجدها في الأشياء الجامدة. على سبيل المثال، تتمتع النباتات بالقدرة على النمو والتغذية، وتتميز الحيوانات بالإضافة إلى ذلك بالشهوة والغضب والحركات الإرادية. بينما يتمتع الإنسان إلى جانب كل هذه القدرات بالقدرة على التفكير والتمييز بين الخير و الشر واستخدام عقله. إذن يمكننا القول إنه لا توجد أية علاقة بين إصدار هذه الأفعال والجسم نفسه، لأنه إذا كان الأمر كذلك، لأظهرت الأشياء غير الحية نفس القدرات. تقودنا هذه الاختلافات إلى أصل هذه الأفعال ومبدأها، والذي نسميه ب:”النفس”.
إن النفس جوهر روحاني حيّ بذاته، فإذا قارنت جسما من الأجسام صَيَّرَتْه حيّا مثلها، كما أن النار جوهرة جسمانية حارّة بذاتها، فإذا جاورت جسما من الأجسام صيّرته حارّا مثلها.[1]
وجدنا حتى الآن أن سبب تفوق الكائنات الحية على غيرها من كائنات غير حية هو وجود النفس. ولكن الكائنات الحية بنفسها لا تكون على مستوى واحد من حيث الكمال وآثارها الوجودية. فما هو سبب اختلاف هذه المستويات؟
اختلاف الكمالات في الكائنات الحية
كما سبق ذكره في المقالة “ما هو الكمال أو الميزة الذاتية؟ وما معنى اكتساب الكمال؟” على الرغم من أن الإنسان والحيوانات والنباتات كلهم يُعتبرون من الكائنات الحية، إلا أن الإنسان يتفوق على الحيوانات، والحيوانات تتفوق على النباتات فيما يتعلق بالكمال، و يعود هذا التفوق إلى التفاوت في النفس وقدراتها. وبناء على ذلك يمكن تصنيف مراتب النفس في عالم الطبيعة إلى ثلاث فئات من الأدنى إلى الأعلى:
- النفس النباتية
- النفس الحيوانية
- النفس الإنسانية
بوجود هذه المراتب المختلفة، تكون لكل مخلوق مكانة خاصة حسب منزلته الكمالية ويظهر قدراته المختلفة. على سبيل المثال، تتميز النباتات بالنفس النباتية فقط، بينما تمتلك الحيوانات خصائص الحيوانات بالإضافة إلى اشتراكها في القوى النباتية مع النباتات. إذن يتمتع الحيوان بالنفس النباتية إلى جانب النفس الحيوانية.
بما أن الإنسان يعتبر الكائن الأكمل، فهو يمتلك جميع الصفات في مختلف مراتب الكمال، و مع نموه واكتسابه للقدرات فإن هذه الصفات سوف تبدأ بالظهور و التطور تدريجياً. على سبيل المثال، يكون للمولود الجديد بعض الكمالات الجمادية مثل الجسم والحجم واللون، و بعد فترة قصيرة تظهر فيه الكمالات النباتية مثل النمو، و مع نموه أكثر يبلغ مرحلة الكمال الحيواني حيث تظهر عنده صفات الغضب والحواس المختلفة الأخرى، و من هنا تبدأ رحلته نحو الكمال الإنساني.
إن النفس الحيوانية والنفس الانسانية تعتبران مصدرا لظهور الكمالات الإنسانية والحيوانية، والتي سنشرحها بالتفصيل في المقالات المقبلة. ما يتمحور موضوع هذا المقال هو “النفس النباتية” وتأثيرها في تشكيل البُعد النباتي للإنسان وتأثيره على حياة كل منا.
البعد النباتي وأثره على اكتساب السكينة والسعادة
بالإضافة إلى وجود هذه النفس في النباتات، فإن النفس النباتية موجودة في الحيوانات والإنسان أيضا، وهي التي تُعتبر المصدر للنمو والتغذية والتكاثر وتشكل أساس “البعد النباتي“. فعندما نتحدث عن الإنسان في هذا البعد من الوجود، نتحدث عن نبات تتجلى فيه كمالات النبات. و قد ذكرنا سابقا أن النمو والتغذية والجمال والتوالد والإنجاب والقوة البدنية كلها من مظاهر الكمال في عالم النباتات.
الحقيقة هي أن هذه الخصائص وحدها لا تمنح الإنسانية للمرء وإنما تضعه فقط في مستوى النباتات دون أن تكون مؤشرا على كرامته الإنسانية، حتى و لو ظهرت هذه القدرات عنده أكثر من النباتات نفسها. فعندما يمتلك الإنسان مواهب إضافية في إظهار سمة ما، فإن السمة لن ترتفع إلى مستوى أعلى ولا تتغير حقيقتها ومرتبتها. على سبيل المثال، هل يُعْتَبرُ بطل رياضي أفضل من غيره بسبب قُوَّة جِسْمه؟ بالطَّبعِ لا. فهو ليس سوى نبات أقوى، وهذا ينطبق ايضا على سمات أخرى مثل الجمال في الجسم والوجه، والقدرة على التكاثر وجميع الكمالات النباتية.
إذن لا ترتبط كرامة الإنسان وفضيلته بأي من الكمالات في الأبعاد الجمادية والنباتية والحيوانية، ويبدو أننا غالبا نغفل عن هذا الامر ولذلك يخطئ معظمنا باستمرار بشأن أنفسنا والآخرين ويحزننا عدم وجود هذه الكمالات غير الإنسانية ونعتبر امتلاكها وسيلة للتباهي!
إن السبب الرئيسي وراء جميع حالات الاكتئاب والتوتر والاختلافات الاجتماعية والأسرية والانتحار والعلاقات غير الصحية والإدمان، هو عدم معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وأسباب استقرارها الداخلي. وبالتالي، يسعى طوال عمره لاكتساب الكمالات الزائفة، وعندما يتحقق ذلك، يكون كالشخص الذي فقد كل رأسماله.
لا يمكن تجاهل تأثير البُعد النباتي على نمط حياة الإنسان، حيث يثير رغباتٍ واهتماماتٍ داخله، والتي إذا لم تُدار بشكلٍ صحيح، فقد تؤثر سلبًا على البُعد الإنساني للفرد وتعصف بالتوازن الذي يحتاجه. لمزيد من المعلومات في هذا الصدد، يمكنك قراءة المقالة “دراسة دور انواع الكمال في مراتب وجود الإنسان”
تتفوق الكائنات الحية على غيرها من الكائنات الغير حية بفضل وجود النفس فيها. تُعتبر النفس النباتیة مصدرا لظهور خصائص مثل حب التكاثر والقوة البدنية والجمال وغيرها. إذا لم يتمتع الإنسان بأي فضيلة اخرى على النباتات بغير كمالاته النباتية فهو يعني أن الإنسان نباتا بسبب كمالاته النباتية ولم يتمتع بأي فضيلة خاصة على النباتات في هذا البُعد الوجودي. و يعود تفوقه على النباتات وغيرها من المخلوقات إلى بُعده الإنساني الذي يتمثل في مفهوم “النفس الحقيقية”.
[1] . رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء, ج1, ص 294.