الجسم، البعد الأول للوجود البشري
لقد تحدثنا كثيرًا عن أهمية معرفة النفس أو علم الانسان منذ بداية سلسلة بحوثنا فی هذا المجال. و قد تمّ بیان هذا الموضوع تفصیلياً أن معرفة النفس هي ضرورة وليست معرفة عصرية نراجع الیها حسب أهوائنا فقط. کما عالجنا فوائد معرفة النفس وكيفية تحسين علاقاتنا مع الآخرين و اکتساب حياة سعيدة وسلمية في ظل هذه المعرفة. و من ثم درسنا التعريفات الخاطئة حول الإنسان وعددنا أضرارها. و بعد ذلك قدمنا تعريفا للأبعاد المختلفة لوجود الإنسان وشرحنا مفهوم “النفس الحقيقية”.
ولکن كل هذا الشرح كان مقدمة للوصول إلى هنا ومن الآن فصاعدًا، سنبدأ بموضوع “معرفة الانسان” ونتقدم خطوة تلو الاخرى لكشف رموز الأبعاد المختلفة لهذا الكائن المعقد.
قمنا سابقا في المقالة “ما هو الكمال؟” (لينك داخلي) بتقسيم كائنات العالم المادي ضمن خمس فئات حسب كمالها الوجودي وآثارها منها: الجمادات، والنباتات، والحيوانات، والملائكة، والإنسان، وقلنا أن الإنسان هو جامع الكمالات من جميع المخلوقات و یتمیز وجوده بخمسة أبعاد رئيسية من الأدنى إلى الأعلى، وهي:
- البعد المادي /الجمادي
- البعد النباتي
- البعد الحيواني
- البعد العقلي
- البعد ماوراء العقلي / الانساني
سوف نتناول في هذا المقال “البعد الجمادي” للإنسان من أبعاده الوجودية، وسنتعرف في المقالات القادمة، على سائر الأبعاد على الترتيب، ثم ندرس الفرق الأهم بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، والذي هو سبب فضيلة الإنسان وتفوقه على كل المخلوقات في العالم. نظرًا لأن هذه الموضوعات ترتبط وتكمل بعضها البعض، نوصيكم بمتابعتها الى النهاية.
من أين يأتي الاهتمام بالرفاهية؟
لقد حدث لك بالتأكيد أنك عند رؤية سيارة فاخرة تتمنى امتلاكها، أو أنك تحلم بامتلاك فيلا كبيرة مجهزة بأحدث الإمكانات في منطقة خضراء. أو قد يسرق جمال قلادة على نافذة متجر المجوهرات عقلك لأيام متتالية. أو تعبت من الملابس التي اشتريتها قبل بضعة أشهر وتبحث عن فرصة لاستبدالها و …لقد اختبرنا جميعاً إحدى هذه المشاعر ولو مؤقتًا. ولكن هل فكرت يومًا من أين تأتي هذه الرغبات؟ ما سبب اختلاف هذه الميول من شخصٍ لآخر من حيث الشدة والضعف؟ لماذا جبلت النفوس على حب المال، والذهب والمنازل والسيارات؟ تقودنا الإجابة على هذه الأسئلة إلى معرفة البعد الأول والأدنى للوجود البشري وهو: “البعد الجمادي“.
ما هو البعد الجمادي؟
إن أول المخلوقات في العالم المادي وأبسطها هي الأشياء والجمادات التي هي في أدنى مرتبة مقارنة بالمخلوقات الأخرى من حيث الكمال الوجودي. يمكن أن نشير إلى الوزن والحجم واللون والرائحة و الخصائص العنصرية من بين الكماليات الجمادية. ولكن ما هو المقصود من البعد الجمادي في الوجود البشري وما هو التشابه بين الإنسان والجماد؟
أشرنا إلى خصائص الجمادات منها الوزن والحجم واللون والرائحة و غيرها التي توجد أيضًا في أجسادنا البشرية. يوجد لدينا وزن وبشرتنا لها لون وأجسامنا مليئة بالعناصر المختلفة مثل الكالسيوم والحديد والصوديوم وإلخ. ثلاثة أرباع جسم الإنسان مكون من الماء، وتنتشر فيه أبخرة مختلفة. إذن يعتبر الإنسان جماداً على صعيد الحجر والخشب والحديد والاسمنت من حيث جسده المادي.
نعود الآن إلى السؤال الذي طرحناه قبل قليل: “من أين يأتي اهتمام الإنسان بالرفاهية؟” قبل الإجابة لابد لمراجعة أحد القوانين الفيزيائية للخلق وهو المعروف بقانون الزوجية العامة في الكون[1]. حسب هذا القانون لكل شيء زوجه المناسب الذي يسكن إليه ویستقر عنده. على سبيل المثال، النور هو الزوج المناسب للعين، والطعام هو الزوج المناسب للمعدة، وهكذا لکل بُعد من أبعادنا الوجودية زوجه المناسب. الكمالات الجمادية تُعتبر زوجا مناسبا للبعد الجمادي من كياننا، وبعبارة أخرى، نحن متوافقون في بعدنا الجمادي مع الجمادات، فلهذا من الطبيعي أننا نستمتع بامتلاك المال والذهب والملابس وأي شيء مرتبط بالجماد. و أيضاً على سبيل المثال الرغبة في جمع مختلف المجموعات التاريخية، و الحصول على ثروة طائلة، وشراء المنازل والأراضي والممتلكات، وشهوة امتلاك سيارات متعددة الموديلات دون الحاجة إليها، كل هذه أمثلة على مظاهر القوة للبعد الجمادي في الإنسان.
تُطرح هنا بعض الأسئلة المهمة:
- «ما هو حدّ حب الإنسان للكمالات الجمادية ومتى ينتهي؟»
- إذا كان “البعد الجمادي” من الجوانب المشتركة في كل الناس فلماذا يختلفون عن بعضهم البعض في شدة اهتمامهم بحب الأشياء والجمادات وجمعها؟
- ماهي المزايا التي يمكن اكتسابها من فهم منشأ حب الانسان للممتلكات المادية والجمادات و كيف تساهم هذه المعرفة في سعادته وسكينته؟
من الأفضل عدم التسرع في الإجابة على هذه الأسئلة وفحص الأبعاد الأخرى للوجود أولاً، ثم فصلها عن طريق التمییز بين “النفس الطبيعية” و “النفس الحقيقية” والتعریف على الزوج الحقیقي للإنسان. فإن الإجابات ستصبح عندها واضحة تلقائيًا.
الملخص
في هذا المقال، تعلمنا أن البعد الجمادي هو المستوى الأدنى من وجود الإنسان. والإنسان على هذا الصعيد، یُعتبر شيئاً له انجذابات جمادية تسوقه إلى الكمالات الجمادية فقط مثل المال والإكسسوارات الفاخرة والملابس الأنيقة والمجوهرات الجميلة وما إلى ذلك. ولكن هذه ليست الحقيقة بأكملها، وسنتحدث في مقالاتنا القادمة أكثر عن هذا الموضوع.