دراسة في قانون الزوجية ودوره في علم الإنسان
هناك نصيحة ذهبية كثيرة الإستخدام، و هي تلخص جميع النصائح قبل الزواج، وهي: “إختر لنفسك شريك حياة يتناسب معك في جميع الجوانب لتصل إلى السلام والهدوء بجانبه.” كل من اختار شريكًا غير مناسب لحیاته و تحمّل عواقب مؤلمة لسوء اختياره يؤكد صحة هذا البيان. وبالطبع، فإن قانون الزوجية لا يقتصر على الزواج بين البشر فحسب وإنّما تتسع دائرته وتشمل كلّ شيء في الكون.
كلمة “زوجية” تعني “الإقتران” و قانون الزوجية هو العلاقة بين شيئين قرینین يتبعان هدفًا محددًا لتحقيق هدف معين بناء على خطة معينة، و يؤدي غياب أحدهما إلى خلل و قصور في الغرض المقصود، سواء كان هذان العنصران ذكراً و أنثى، أو من الحيوانات أو النباتات أو الجمادات، صغيران أو كبيران، وجدا في نفس الوقت أو في مختلف الأزمان، في تقارب مکاني أم لا، متضادان أو متشابهان. المهم هو أنهما يعتبران زوجان وقرینان، ولذلك فإن هناك العديد من الأمثلة التي تتّبع قانون الزوجية، منها: الذكر والأنثى، الجذب والتنافر، الشحنة الموجبة والسالبة، الليل والنهار، الجنة والنار، الحكمة والجهل، الخفة والثقل، الدفء والبرودة، الجفاف والرطوبة والعديد من المفاهيم الأخرى.
وكما ذكرنا سابقا فإن قانون الزوجية لا یقتصر على زوجية الذكر والأنثى فقط، بل يشمل جوانب متعددة ومتنوعة. مع تقدم العلم، تم اكتشاف نطاق أوسع لهذا القانون، وقد تم إثباته وتجربته اليوم حتى في أصغر الجسيمات الذرية التي تسمى كواركين D وU أو في النباتات ثُنائية المَسكَن.[1]
وبغض النظر عن التفاصيل، فإن الاستقرار الذي نراه في الطبيعة والتنظيم المنطقي، يعود إلى قانون الزوجية الشامل فی الکون.
التناسب: المكوّن الأول من قانون الزوجية
لا بد وأنك سمعت أو استخدمت مثل هذه الجملة بنفسك: “إن الكتابات واللافتات مشوشة أمام عيني منذ فترة ولا أستطيع الرؤية جيدًا”. ما الذي حدث؟ إنها أعيننا التي لم تعد قادرة على التواصل بشكل صحيح مع زوجها الضوء، إذن فنحن مصابون بضعف البصر.
لكل من حواسنا الخمس زوج ملائم لها وتعتمد سلامتها على العلاقة الصحيحة مع هذا الزوج. فمثلا تقترن الآذان بالصوت وتتواصل معه فقط، وتتفاعل البشرة مع الملموسات مثل البرد والحرارة، وتقترن حاسة التذوق بالنكهات.
تخيل أنك تقدم كتابًا فلسفيًا سميكًا لشخص جائع لكي يشبع جوعه بقراءته! أو تحاول سماع الأصوات عن طريق الشم! إنها أمور مضحكة ولا يقوم بها أحد. إن زوج كل جزء من وجودنا مختص به ولا يصلح لجزء آخر، لأنه لا يكون على توافق وتلائم معه. إذا قمت باستخدام عشرات المفاتيح في قفل منزلك، فلن يفتح الباب إلا بالمفتاح المطابق للقفل.
الرغبة: ثاني أهم مبدأ في قانون الزوجية
ينص قانون الزوجية على أن كل زوجين يتكونان من جزئين منفصلين تربطهما علاقة مع بعضهما البعض، وبغض النظر عن نوع هذه العلاقة، فإنّها تتضمن الميل و الإرادة المرافقة أو الرغبة بشكل عام. رغبة العين في الرؤية، العلاقة بين قطبي المغناطيس، الميل بين الذكر والأنثى في الأنواع المختلفة، الاهتمام بين الفكر واكتساب المعرفة وغيرها الكثير من الأمثلة التي تدلّ على الرغبة والاهتمام بين الأزواج المختلفين.
وبشكل عام، لا توجد علاقات زوجية إلّا و تؤدي إلى رغبة الزوجين تجاه الآخر. إننا نشعر بالقلق إذا فقدنا الشهية تجاه الطعام على المدى الطويل لأن هذا الأمر ليس طبيعياً. كما أن عدم الرغبة في الزواج وعدم الرغبة في إقامة علاقات مع الجنس الآخر هو أمر غير طبيعي أيضاً لدى الشخص الذي وصل إلى سن البلوغ، إذ أنه يدل على أن بعده الحيواني هو في حالة غير طبيعية وغير متوازنة.
إذا تم تقريب قطبين متقابلين لمغناطيس من بعضهما البعض ولم يحدث تجاذب، فهذا يدل على أن المغناطيس فقد خصائصه المغناطيسية. إذاً يمكننا اعتبار أن وجود الرغبة بين زوجين يلمح إلى سلامتهما ونموهما الطبيعي، وهذا ما سنشرحه أكثر في المقالات القادمة.
قانون الزوجية في الوجود الإنساني
الفكرة السائدة والشائعة حول الزواج هي اتخاذ قرين من الجنس الآخر للعيش معاً في حياة مشتركة. إلّا أنّ هذا المفهوم من الزوجية لا يقتصر على البعد المادي لوجود الإنسان فقط وإنّما يتسع معناه نظرا لتعقيد وجود الإنسان. إن لکل من الأبعاد والمستويات المختلفة للوجود الإنساني زوجها الخاص الذي يتناسب ويتوافق مع بنيتها وتثير رغبتها، ولا تصل هذه الأبعاد والمستويات إلى السلام إلا بجوار شريكها الخاص.
بالنسبة إلى الإنسان فإن لقانون الزوجية عنده جزئياته الخاصة مما يجعله مختلفا عن المخلوقات الأخرى في هذا السیاق. لا يوجد للإنسان قرين واحد وإنّما تقوم جميع أجزاء وجوده بالزواج، وبالمناسبة فإنّ شريكنا الذي يجلب لنا السلام الدائم والسعادة ليس المرأة أو الرجل الذي يقف بجانبنا في إطار الصورة على الحائط بابتسامة حلوة!
في هذا المقال تناولنا قانون الزوجية والذي يخضع له كل شيء في العالم. وإضافة إلى ذلك، فإننا تطرقنا إلى مبدأين أساسيين في قانون الزوجية وهما: التوافق والرغبة. إن فهم قانون الزوجية الشامل هو أمر مهم لفهم أنواع كمالات الكائنات وخصائصها، وخاصة الكمالات الوجودية للإنسان. ذكرنا أن الزوجية تشمل الکون برمته وكل ظاهرة لديها زوجها الخاص. يتحدث القرآن الكريم عن زوجية الکون أيضا إذ أنها تظهر في آيات عديدة قرآنية، منها الآية 49 من سورة الذاريات والآية 36 من سورة يس.