القوانین التي تحکم الأمنيات، القانون الثاني: التوافق بین الإنسان وأمانيه
هل تمنيتَ یوماً ما أن تکسبَ شیئا لاتحبّه؟ أم تمنیتَ شیئا تکرهه أو تخافه وتهابه من أعماق قلبك؟ إذا كانت إجابتك نعم، فاسأل نفسك هل کان ذاك العمل أو الشعور بالكراهية والخوف حقيقيا؟ الجواب واضح جدّا ويبدو السؤال عنه بدون معنى! نحن لا نتمنى شيئا نکرهه أو نخافه أو لایفیدنا، حتى ولو کان ذاك الشيء مجانا فإننا لن نرغب فيه. بعبارة أخری نحن نتمنى أمورا نحبها أو نحتاج إلیها أو تفیدنا أو نتلذذ من مشاهدتها واستخدامها.
هذه القضیة البسیطة مرتبطة بقانون آخر من قوانین الأماني العالمیة أو بعبارة أخرى مبادئ الطلب و التمني. أشرنا إلی القانون الأول للطلب في المقالة السابقة ووصلنا إلی نتیجة أننا لا نستطيع طلب شیئا معدوما ليس موجوداً من الأساس. نعرّف الآن القانون الثاني للطلب بالشكل التالي:
- من المستحیل أن نتمنى شيئا لا نتوافق معه.
لکن ما معنی هذا القانون بالضبط؟ وماهي أهمیة معرفته؟
التوافق بین الطالب والمطلوب
هل شعرت يوما برغبة في أکل البلاستيك أو الورق؟ قد تستنكر إذا ما طُرح عليك هذا السؤال، و قد تفكر کیف یُمکن لإنسان أن یرغب في تناول شيء كذلك، هذا لأن جسم الإنسان لا يتوافق مع ذلك، بل إنه يرغب في طعام يتلائم مع مذاقه عند الجوع. في البيئة المحيطة بنا توجد موجات إلکهرومغناطیسیة في أطیاف مختلفة، من الإشاعات الیونیة التي لها تردُّد کبیر إلى أمواج الرادیو ذات التردد القلیل. لکن وجود کل هذه الترددات المختلفة في الهواء لا تساعد أعيننا على الرؤیة، لأن أعيننا تطلب أمواجا ترددیةً متناسبة مع النور المرئي.[1]
هذا القانون یشمل الأصوات التي نسمعها بآذاننا أيضا. فمع أنّه یتم نشر أصوات مختلفة كثیرة حولنا، لکن البشر يستطيع التمييز الأصوات التي لها تردد من 20 إلى 20000 هیرتز فقط. فإننا مثلا لا نستطيع سماع صوت بعض الحشرات أو صوت حدوث الزلزال التي فوق السمعية وخارجة هذا النطاق وغير متوافقة مع قدرة سماعنا.[2]
یُستفاد ممّا تقدّم، أنّ الشرط الرئیسي للطلب في کل هذه الأمثلة هو وجود التوافق والتلاؤم. بعبارة أخری لایمکننا تمني شيء إذا لم يكن هناك توافق وتلاؤم بيننا وبينه، لأن الطالب والمطلوب أو العاشق والمعشوق متوافقان ومتلائمان دائما، فأینما کان هناك طلبٌ فلا بد من وجود توافق.
علی سبیل المثال إنّ طلب الماء عند العطش یشیر إلی أن العطش یزول بواسطة شرب الماء فقط. و الأنف يتطلب الرائحة فقط ولا شأن له بوجود النور أو الترددات (الفرکانسات). و جلد الطفل یتطلب مداعبة أمه ولا يغني سماع صوتها أو شم رائحتها عن هذا الطلب، إذن لایوجد جزء من كياننا یطلب شیئا لا يتوافق معه، ولذلك عندما تطلب شیئا ما سواء كان هدفا أو أمنية أو رغبة، فلا بد أن يكون هناك توافق وتناسب في وجودك معه. إذن یمکن بیان القانون الثاني للطلب بأنه:
- «طلب کل شيء فرعٌ علی توافقه مع المطلوب.»
التوافق في حالة الصحة
هل نحن متوافقون مع کل ما نمیل إلیه ونطلبه؟ ماذا عن هؤلاء الأطفال الذين يحبون أکل التراب؟ وراء هذا المیل الخارج عن العادة سبب، والسبب هو نقص الحديد في جسمه وأکل التراب لن یغنيه من هذا الاحتیاج. بعبارة أخری إن جسم الطفل قد مال إلی شيء خارج للعادة بسبب نقص في داخله، إذن من الأفضل أن نقول:
- «إن الإنسان لا يتوافق مع الشيء الذي يتمناه و يطلبه إلّا في حالة الصحة التامة».
من الممکن أن تصیب الأمراض أو أسلوب الحیاة الخاطئ أو العادات غیرالصحیحة بصحتنا، لذلك نشعر برغبة إلى أمور قد تضرنا، أو لانرغب في أشیاء تفیدنا، تماما مثل الأطفال الذين یأکلون الأطعمة الضارة بسهولة لایأکلون الأطعمة النافعة. أو كالشخص الذي یقضي کل أوقاته لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ولایحدد وقتا قصیرا للاهتمام بنفسه. في هذه الحالات قد استحوذت على مذاقنا المرض والانحراف، ومن الواضح أن الذائقة المریضة لیست معیارا مقبولا للطلب أو الرفض.
عدم التناسب هو العذاب
من أحد أمرّ التجارب التي تعرضنا لها هي أکل الأطعمة الفاسدة التي لا تتناسب مع جهازنا الهضمي، والتي قد تصیب المعدة بأعراض سواء كانت بسیطة أم خطرة. بعبارة أخری إن عدم وجود التناسب یؤدي إلی عدم التوافق، و اذا لم یوجد توافق بین الإنسان و بین المحيط الذي هو فيه فإنه سوف يُصاب بعذاب يعتمد شدته على مدى عدم توافقه. هذا القانون یشمل جمیع أبعاد وجودنا بمعنی أن باطننا یحتاج إلی المراقبة والاهتمام بالإضافة إلى جسمنا، وإذا ما انحرف عن مساره الطبيعي يقوم بطلب ما لا یلیق به وما لايتوافق معه، ومن الطبيعي أنّ نتیجةَ هکذا طلبٍ غیر متوافق لا يكون غير أذية و عذابا.
أشرنا في هذا المقال إلی التوافق والتلاؤم بین الطالب والمطلوب کثاني شرط في موضوع الطلب وجئنا بأمثلة ونماذج له، ووصلنا إلى نتيجة أن عدم التوافق بیننا وبین أمنياتنا و طلباتنا سیؤدي إلی الشعور بالعذاب والحزن وأشرنا أن الإنسان لا يتوافق مع طلباته إلّا في حالة صحته.
في المقالة التالية سنتطرق إلی سعة الإنسان للوصول إلی أمنیاته بالإضافة إلى القانون الثالث العالمي للأمنيات.