لماذا الإنسان كائن أبدي و لانهائي؟ وما هو معنی الرغبة اللانهائية؟

جدول المحتويات
"إن الرغبة في اللانهاية كانت ولا تزال موجودة في الإنسان بصورة فطرية. "

ما هي الرغبة فی اللانهائية؟

في عالم يعج بالافراد الذين تحركهم رغباتهم غير المحدودة و رغباتهم الدائمة، دعونا نتأمل في الرغبة اللانهائية. ما هي هذه الرغبة يا ترى؟ ألا يوجد حد لأمنيات البشر وطلباتهم؟ دعونا نتخيل عالماً مجردا من كل أمنية ورغبة، خاليا من الأشخاص الذين لهم طلبات، وحتى لا يوجد هناك شيء يرغب فيه أحد. ما هو شعورك بالنسبة إلى هذا العالم الخيالي؟ لا بد وأنه عالم غريب ذابل لا تجد فيه من يحب الاجتهاد والسعي من أجل شيء ما. لأنّ الأمنيات و الرغبات هي التي تحرك القلب وتحييه و تنشط الروح، ومن لا يتمني ولايطلب شيئًا سيصاب بالاكتئاب و الذبول بالتأكيد!

دعنا نعود إلى عالمنا الحقيقي المليء بالحركة المتواصلة، والطلب والسعي وراء تحقيق الأماني. في هذا العالم، ما إن ننتهي فيه من عمل حتى يلفت انتباهنا عمل آخر، ووسط هذه المطالب المستمرة و الأماني الدائمة قد يفقد البعض سلامهم الداخلي. لقد قضينا تسعة أشهر في رحم الأم الضيق والمظلم، و وردنا بعدها إلى عالم مفعم بالعجائب و الألوان، غير أن هذا العالم بكل اتساعه الشاسع وتنوعه الذي لا يعد ولا يحصى، لا يزال يبدو صغيرًا ومحدودًا بالنسبة لنا، إذ أننا نجد انفسنا نتوق إلى المزيد. وبما أننا غير قانعين بما نملك فإننا نفتقر إلى الهدوء والسكينة ونتطلع لاكتشاف كواكب ومجرات أخرى. نعم، هذا لأنّ الرغبة اللانهائية هي جزء من طبيعتنا و إنّنا راغبون فيها بصورة فطرية غير مدركين لماهية هذه الرغبة.

الرغبة فی اللانهائية لا تحتاج إلى برهان

إذا سألك أحد ما كم تحتاج من المال لتحقيق أمنياتك، فمن المرجح أن القائمة ستكون طويلة. علاوة على ذلك فإنك بعد المراجعة الأولى قد تتذكر بضع أمنيات أخرى. يبدو الأمر كما لو أنه لا نهاية لأمنياتنا في هذا العالم ولا شيء يرضينا. من هنا يتبين أنه لا توجد ضرورة إلى إثبات مفهوم اللانهائية في الإنسان. يكفي أن نلقي نظرة عابرة على حياتنا وأمنياتنا لندرك ذلك. كلما أراد الإنسان وضع حد لقائمته الطويلة من أمانيه، تخطر على باله أمنية أخرى على الفور. بغض النظر عن الوظيفة التي يملكها، فإنه يسعى جاهدا ليكون الأفضل فيها، و لو فاز بالميدالية الذهبية الأولمبية، فسوف يفكر في تحقيق الرقم القياسي. وهكذا فإنه يتنقل باستمرار بين أمنياته التي لا نهاية لها.

إن الرغبة اللانهائية كانت ولا تزال موجودة في الإنسان بصورة فطرية، فقد ظهرت في طفولته حيث أنه كان يرغب في امتلاك كل الألعاب والأطعمة الموجودة في العالم، و من ثم أن تحولت إلى رغبة لانهائية في كل الأشياء المعروفة في مرحلة البلوغ والرشد. من الطبيعي أن الإنسان لا يرغب في شيئ إلا و يجب ان يكون بجودته الأفضل، وبعد تحقيق هدفه المطلوب فإنه يسأم منه ويسعى إلى هدف أعلى. فإنه بمجرد قبوله في مرحلة البكالوريوس، يفكر في مواصلة دراسته على المستويات الأعلى، بعد أول راتب يحصل عليه، يفكر في استثمار أمواله، وعندما يريد اختيار شريك الحياة يحلم بأن يجد شخصا يملك جمال ولطف العالم بأسره.

إن طبيعة الإنسان اللامتناهية لا ترضيها أيا من المستويات العلمية المختلفة، لذلك فإنه فيتدخل و باستمرار في العالم راجيا أن يتمكن من إشباع شعوره اللانهائي في التنوع والابتكار بأفكاره الجديدة.

أمنيات غير محدودة في عالم محدود

إنّ سعتنا الوجودية لانهاية لها، و إننا وبنفس المقدار نشعر برغبة لانهائية، طالبين من كل شيء أفضله بدون حدود، ثروة لا نهائية، شعبية وشهرة لا نهائية، علم لا نهائي و …  يمكننا القول إن رغبتنا الوحيدة في الحياة هي اللانهاية من كل شيء نعرفه. إذن مهما كان مستوى معرفتنا، فإننا نحدد معنى اللانهاية على ذلك المستوى ونبني حياتنا عليه. فإن لم يكن لدينا فهم صحيح لأنفسنا كإنسان، فسوف نصبح عبيد أمنيات أبعادنا الدنية الوجودية.

ولكن من أين تنشأ الرغبة اللانهائية؟ إن حياتنا والعالم من حولنا محدود فما هو سبب وجود مثل هذه الرغبة فينا والتي تسلب منا السلام والهدوء وتقودنا دائمًا إلى السعي وراء رغبات لانهائية متحیرین؟ هل یمکن القضاء على هذه الرغبة؟ وهل يمكن الحصول على الهدوء بكبتها؟ نَظَراً إلى قولنا السابق أنه لا توجد أمنية في ذهن الإنسان إلا و لها جذور، فكيف نجد حل لهذا التناقض؟

ليست جميع أبعاد وجودنا لانهائية وهذه هي النقطة المهمة التي نهملها بشكل عام، لأننا من جهة لانملك سعة كافية لقبول اللانهاية في جميع أبعادها الوجودية، ومن جهة أخرى حتى لو كانت لدينا مثل هذه القدرة، فإنّ عمرنا المحدود لا يكفي لتحقيق جميع الأمنيات.

بالتالي فإن الرغبة اللانهائية للقوى الدنيا في وجودنا لن تؤدي سوى إلى القلق والاضطراب، ذلك لأنه ليس هناك معاناة أكبر من أن يطلب الإنسان شيئاً لا يستطيع الحصول عليه. من الواضح أنه لا يمكن صب كمية لا نهاية لها من الماء في كوب صغير، بافتراض أن تكون الأبعاد الوجودية للإنسان هي بمثابة خمسة أكواب ذات أحجام محددة، فلا يمكن تضمين لانهاية من الكمال في جسد صغير ومحدود، أو حياة إنسانية قصيرة.  إذن فما هو الحل؟ وكيف ندير هذه الرغبة؟ سنجد الجواب في المقالات القادمة.

في هذا المقال، قمنا بتعريف الرغبة اللانهائية للإنسان وطرحنا هذه الرغبة كمسألة فطرية وداخلية. كما ذكرنا أصل كل الإحباطات البشرية وسبب استمرار الإنسان في البحث عن أشياء جديدة، وتوصلنا في النهاية إلى سؤال أساسي حول سبب وجود هذه الرغبة وكيفية إدارتها.

قبل قراءة المقالات التالية، شاركنا بإجاباتك على هذه الأسئلة.

اكتب رأيك