الإنسان في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، تعاريف مختلفة للإنسان

جدول المحتويات
"الانسان الحديث وقطيعة جذرية مع حقيقته الانسانية "

أضرار التعريف الخاطئ للإنسان

  • الأعراب
  • وأد البنات
  • عبادة الأصنام والعصبية القبلية والعبودية والرق الخ.

هذه هي الأفكار التي تراودنا عادة عندما نسمع كلمة “جاهلية“، تاركة عندنا صورة مظلمة لمجتمع غير متحضر و الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم “عصر الجاهلية“. من المهم أن نلاحظ أن الجاهلية لم تقتصر على الحضارات العربية فحسب، ففي الوقت نفسه ساد في أوروبا نوع معين من الجهل عُرف ب “جاهلية العصور الوسطى“، والذي تم نشره باسم الدين ومن قبل الكنيسة.

في الجاهلية القديمة، كان السلوك البشري بسيطا وكان الإنسان يُظهر عنفه بوضوح. على الرغم من ذلك، لم يقم القدماء البسطاء بأي محاولة لتبرير سلوكهم، لذلك كانت أخطائهم فادحة وحمقاء ولم تترك لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم. فيما بعد، تعلم الإنسان تبرير انحرافاته الفكرية والأخلاقية بشكل مقنع، و تحدى بهذه الطريقة الجهل التقليدي القديم، ووضع الأساس لمفهوم “الجاهلية الحديثة“.

يُستخدم الجهل أحيانا ضد العقل وأحيانا ضد المعرفة. من المثير للاهتمام ملاحظة أن الجاهلية الحديثة ظهرت عندما بدأ البشر و بسبب تقدمهم في العلوم التجريبية، يرون أنفسهم العقل و المدبر الرئيسي للكون، و بدؤوا بالشعور بالندم على أنهم عبدوا الله سنوات عديدة. وهكذا باتوا يشعرون بضرورة “وضع خطة بديلة”  لمواصلة حياتهم.

 إعلان موت الله

ربما سمعت عبارة “لقد مات الله” من فريدريش نيتشه[1]، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير الذي كان لأفكاره تأثير كبير على تشكيل مدرسة ما بعد الحداثة لاحقا. بغض النظر عن التفسيرات المختلفة المحيطة بمنظور نيتشه حول هذا المفهوم، فإن بيانه يجسد و بوضوح، الوضع الذي واجهته أوروبا خلال العصر الحديث. تم بعدها تلاشي المفهوم المتسامي المعروف ب “الله“، ورغم أن الكنيسة أفسدت هذا المفهوم، إلا أنه كان لا يزال يُعتَبر مركزا للعالَم، ومالكا للكون بأسره، وحاكما للعلاقات الإنسانية ومَن يمكن للإنسان الغربي أن يعتمد عليه.

عندما قُضي على مفهوم الله كخالق ومدير ورب للعالمين، بقي الإنسان المعاصر ضعيفا وعاجزا، مثل الطفل الذي فقد أمه. إلا أنه من جهة أخرى، كان سعيدًا أن القوة التي كانت تزعجه بانتظام وتصدر عليه الأوامر و النواهي، أزيلت من حياته، وصار بإمكانه فعل ما يريد بحرية مطلقة. و لكن غياب مفهوم الله ترك فراغا لم يسهل ملؤه بسهولة. لذلك، قرر الإنسان أن يحل مكان الله و باستخدام عقله، يقوم بتحديد ما يجب وما لا يجب فعله.

كان هذا تعريفًا بسيطًا للمدرسة الإنسانوية التي تناولناها في مقالة “علم الإنسان في حركة الحداثة وما بعد الحداثة، مواقف و أضرار علم الإنسان الحديث”، حيث أدى تجاهل حضور الله والاستهانة بأهمية الروحانية إلى عواقب وخيمة على المجتمعات الغربية، مما جعل البشر يغرقون في أعماق مستنقع، وكلما كافحوا أكثر، غرقوا أكثر.

الإنسان الحديث وإيجاد أزمات جديدة

لقد تطرقنا في المقالة السابقة إلى أن الأيديولوجية المعاصرة تحاول إقناع العالم بأن الإنسان الحديث يختلف عن نظيره التقليدي من حيث الهوية والخصائص والرغبات، مما يجعل الدين التقليدي ليس مناسبا له. مع ذلك، فإن التجربة تثبت خلاف ذلك. يمتلك الإنسان الحديث، مثل أسلافه عبر التاريخ، ميلا فطريا نحو العبادة، والبحث عن اللامحدود، والخوف من الفناء، والرغبة في الخلود. کما أنه يتوق إلى ملجأ و قوة خارجية و خالدة يمكنه الاعتماد عليها للعثور على الطمأنينة. ولكن، فإن جميع التعريفات الجديدة التي اقترحها الإنسان المعاصر لنفسه تتجاهل كل هذه المشاعر والرغبات، و من هنا تنشأ أكثر معاناة إنسانية عمقا: التناقض والصراع!

التناقض، أكبر معاناة للإنسان المعاصر

تصور أنك لم تأكل أي شيء لعدة ساعة و تتضور جوعا. عندما تتحدث مع صديق لك عن هذا الشعور يجيبك: “لا، أنت مخطئ، لست جائعا.” أو أنه قد يقترح عليك بهذا الاقتراح: “دعنا نذهب إلى السينما لإرضاء جوعك.” كيف ستكون ردة فعلك عندها؟ سوف تظن بالتأكيد أن صديقك مصاب بالجنون، فأنت تعلم أنك جائع، وتفهم هذا الشعور مباشرة دون وجود أي وسيط يخبرك بهذا الأمر. و من جهة أخرى، لا يمكنك تخفيف جوعك عن طريق إنكاره أو تشتيت انتباهك.

إن استجابة صديقك لإحساسك بالجوع يشبه تماما رد فعل المدارس الفكرية الغربية على الاحتياجات الروحية للإنسان: إما أنها تتجاهل وجود هذه الحاجة، أو أنها تختلق شكلا مزيفا من الروحانية، أو تشتت انتباه الإنسان نحو الترفيه الدنيوي حتى ينسى “نفسه” تنبع هذه المقاومة من إحجامهم عن الاعتراف بحقيقة أن “النفس الحقيقية” للإنسان لا تهدأ إلا من خلال الاتصال بـ” الله “ولا شيء غيره.

جعلت المدارس الفكرية الغربية من الإنسان المعاصر شخصية متسلطة لا تعتمد إلا على نفسها. من وجهة نظرهم، فإن العقل والعلم كافيان لاستمرار حياة الإنسان وأن هذا العالم قد خُلق بالصدفة ولا يوجد عالم آخر بعد الموت. بهذا التبرير، حُذفت نقطة البداية و النهاية من الحياة البشرية، وأصبح الهدف من حياة الإنسان في هذه المدارس الفكرية هو الحصول على المتعة والاستمتاع فقط، حيث يضطر المرء إلى الاستجابة لدعواته الداخلية للتحرك في طريق أنواع الملذات المتاحة له. و هكذا يعيش الإنسان المعاصر في صراعٍ لا نهاية له مع “نفسه الحقيقية”، محاولا قبول تلك العبارات، ولكنه في الحقيقة لا يستطيع، وبالتالي، يجد نفسه في حالة تضاربٍ وصراع تتسبب في معاناته.

إن الإنسان في أعماق وجوده يشعر بحاجةٍ ماسة للحصول على ملاذٍ وحامٍ، ويرغب في أن يُسلم نفسه في أحضان قوةٍ لا تنتهي. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يستطيع كبت رغبته للاستمرار و اللانهاية. ولكنه يرى أيضا أن عقله يقصر أحيانا عن الفهم ولا يصل دائما به إلى نتيجة. إنه يختبر هذه المشاعر مباشرة بدون وسيط، تمامًا كما يشعر بالجوع، فيعاني ويحاول نسيان هذا الألم في روتين الحياة اليومية. فتراه يغير شريك حياته، او يلجأ إلى المخدرات، أو ينغمس في العمل والدراسة والعلم، و يسعى للحصول على الحب من هنا وهناك، ويحاول تحسين مظهره باستمرار، كل ذلك على أمل اكتشاف طريق نحو حب ذاته.

يتشبث الإنسان المعاصر بكل شيء يمكن أن يجلب له قليلا من السعادة وجرعة من الهدوء، لكنه طالما يتجاهل “نفسه الحقيقية” فسيظل هناك فراغ في كيانه لا يعرف كيف يملؤه. الاكتئاب والجنون والانتحار هي كلها نتائج الرؤية الخاطئة للإنسان إلى نفسه. من اللافت للنظر أن العديد من الفلاسفة الذين أسسوا هذه الأيديولوجيات أصبحوا الضحايا الأولى لوجهات نظرهم المضللة.

في هذه المقالة، حاولنا تسليط الضوء على أهم الأضرار الناجمة عن سوء فهم الإنسان لنفسه. إنك تتفق معنا بالتأكيد أن نطاق هذه الأضرار واسع للغاية ولا ينتهي هنا. إذا كان لديك أي خبرة أو معلومات في هذا المجال، فيرجى مشاركتها معنا في قسم التعليقات.

[1]. ماذا قصد نيتشه بـ«موت الإله»؟ – إضاءات

اكتب رأيك