علم الإنسان في حركة الحداثة وما بعد الحداثة، مواقف و أضرار علم الإنسان الحديث

جدول المحتويات
"علم الانسان الحدیث أفضل طريقة لنسيان نفسك الحقيقية "

دراسة التعاريف الخاطئة للإنسان في استطلاع علم الإنسان الحديث

  • الإنسان حيوان ناطق.
  • ينحدر الإنسان من سلالة القرود.

من بين العديد من التفسيرات عن ماهية الإنسان، ربما تكون هاتان النظريتان أشهر النظريات التي سمعناها.

في حين أن هذه التفسيرات واجهت الشك والرفض من قبل العلماء بمرور الوقت إلا أن تأثيرها الأول كان عميقًا لدرجة أنها أصبحت شائعة في مجتمعات اليوم. وبالتالي، فقد أصبح من الصعب إثبات ما إذا كانت هذه النظريات على خطأ أم صواب.

هذا التنوع الكبير في الآراء لوصف أهم كائن حي في الوجود مثير للاهتمام. يكفي أن نلقي نظرة في سجلات و كتب الفلسفة لنتعرف على مذاهب فكرية مختلفة هزّت كل واحدة منها الدنيا في عصرها وكانت بداية لحركات اجتماعية كبيرة، غير أنها كانت سريعة الزوال في التاريخ تاركة أتباعها في كومة من الضغوط النفسية واليأس وخيبة الأمل.

إن أول خطوة لإنشاء إطار اجتماعي لأي مجتمع هي الأيديولوجيا السائدة في ذلك المجتمع  وإذا سيطرت على المجتمع ايديولوجيا خاطئة فلا يكون مصيره إلا الحيرة والضلال. ولذلك، فإنه ليس من المستبعد أن يُعزي السلوك غير المتوازن الحالي للأفراد المعاصرين إلى التأملات الفكرية للعلماء والفلاسفة في فترات مختلفة من التاريخ بشأن حقيقة الإنسان والعالم وحقن هذه المعتقدات في المجتمع المذكور.

في هذه المقالة سوف نتناول شرح بعض وجهات النظر الخاطئة حول الإنسان التي اكتسبت بسرعة مكانة بارزة في المجتمعات العالمية وتحولت إلى مدرسة فكرية، وفي مقالة أخرى سوف يأتي شرح الأضرار الناتجة عن هذه الأيديولوجيات. بمتابعة سير هذه المقالات، فسوف تصل إلى استنتاج حكيم في هذا المجال.

الإنسان القديم والإنسان الحديث

“يتغير جوهر الإنسان وطبيعته مع مرور الأزمان.”

ما رأيك في هذه العبارة؟ هل هي صحيحة أم خاطئة؟ هل يتغير حقًا جوهر وجود الإنسان مع مرور الزمن؟

خلال الفترة الممتدة منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي حتى القرن الثامن عشر، ظهرت حركة هامة في إيطاليا وتغلغلت تدريجياً في أنحاء أوروبا. هذه الموجة التحولية المعروفة بـ “عصر النهضة[1]، كان لها تأثيرًا لا يمحى على أبعاد مختلفة من الثقافة والمجتمع والاقتصاد والدين في أوروبا، وبالتالي وضعت أسس الحضارة الحديثة في العالم الغربي اليوم.

خلال فترة النهضة في أوروبا، انتشر تفكير يُعرف بـ”الحداثة” أو التجديدية و من هذا التفكير وُلد “الإنسان الحديث“.[2] حاول علم الإنسان الحديث إقناع المجتمع العالمي حيث تحول الإنسان مع التحولات في مختلف المجالات، و أصبح الإنسان الحديث فرداً جديداً يختلف في هويته وخصائصه واتجاهاته تماماً عن “الإنسان القديم“.

تحت تأثير تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، تحول الإنسان التقليدي في العصور الوسطى[3] إلى فرد متعصب ومغمور بالخرافات يعتبر كل متعة في الحياة بأنها خطيئة. فقد تعززت هذه الاعتقادات من قبل الكنيسة التي أكدت أن الإنسان مذنب بطبيعته ولا يملك أي ارادة ذاتية، وأن الهدف الوحيد لوجوده هو خدمة الله.

كان أساس التفكير في العصور الوسطى على إنكار استخدام العقل، حيث يعتبر أن التساؤلات العقلية هي من أسباب ضعف الإيمان، وكان هذا الاعتقاد سائدا أن الله يتكلم مع الإنسان من خلال الوحي، فهذا يكفي ولا حاجة لاستخدام العقل على الإطلاق. مهدّت هذه الأفكار المتطرّفة في المجال الديني الطريق في المجتمعات الأوروبية لتحقيق تحررها من ضغوط الكنيسة، و التي لم يتم توفير ظروفها إلا من خلال عصر النهضة وظهور خطاب الحداثة فيها.

بموازاة تشكّل عصر النهضة، حاول المفكرون الغربيون استعادة روح الحرية والاستقلال للإنسان و التي ضاعت في العصور الوسطى. ولكن للأسف، بدلا من تصحيح تفسيرات الكنيسة للدين، فقد قاموا بنفي جوهر الدين نفسه، ونتيجة لذلك، سرعان ما تكوّنت عقيدة تعرف بـ “الإنسانويّة” في سياق حركة الحداثة وتمّ قبولها. كان يؤكّد أسلوب التفكير هذا على إنكار وجود اللّه تماما ويعتبر الإنسان مركزاً للكون ومالكاً لكل الوجود.

المدرسة الإنسانوية[4]، باعتبارها إحدى المكونات الرئيسية للعالم الحديث، ترتكز على العقل البشري كمعيار للحق بدلا عن الاحکام الإلهية. في هذه الفلسفة، لا يقبل الإنسان الحديث الذي حلّ محلّ الله، سوى الأمور التي في إطار عقله وتجربته، وينكر أي مفهوم لا يمكن تبريره بالعقل أو إثباته بواسطة العلوم التجريبية. فتراه يرفض مفاهيم مثل الله وعالم الغيب والملائكة وحياة الآخرة وما شابه، لأن كل هذه المفاهيم لا يمكن للعلوم التجريبية إثباتها.

تحاول هذه الأيديولوجية إثبات أن الوصايا الدينية عفا عليها الزمن ولا تتناسب مع العصر الحديث، مؤكدة أن عقل الإنسان المعاصر وحده يكفي لإدارة حياته والعالم من حوله.

شهدت هذه الأيديولوجية، التي لا يزال لها مؤيّدوها، تحوّلاً تدريجيًا وفقًا للثقافات والمعتقدات في مختلف المجتمعات. على سبيل المثال، برزت نظرة بين المسلمين تقول: “الإسلام دين يتعلق بالمجتمعات العربية قبل 1400 عام ولا علاقة له باحتياجات المجتمع الحديث”.

الإنسان في حركة ما بعد الحداثة

“إن إنسان ما بعد الحداثة رحّال في الصحراء، يعيش حياة راكدة عديمة روح، بدون تطلعات وأهداف سامية يسعى إليها.” ربما يكون هذا التعبير أفضل تعبير لوصف حياة البشر في عالم اليوم.

في أواخر الستينيات، ظهرت حركة جديدة تسمى “ما بعد الحداثة[5] وانتشرت في فرنسا. شهد المجتمع الغربي مع هذه الحركة نسخة جديدة عن الإنسان، وكما عبّر ميشيل فوكو[6]، “ولد إنسانا خاضعا لرغباته الخاصة”.

تفتقر مدرسة فكر ما بعد الحداثة في الغرب إلى مبادئ وأطر واضحة، حتى أنها تعارض المبادئ  والأطر للغاية، لدرجة أن ليس لمؤسّسيها تعريف واضح لها. يعتبر البعض أنّها جاءت استمرارًا لحركة الحداثة، بينما يرى البعض أن هذه المدرسة جاءت لتتحدى مبادئ فكر الحداثة و مؤشراته.

على أيّ حال، فإن أيديولوجية ما بعد الحداثة مادية تمامًا، و مثل الحداثة، تحصر الوجود بأكمله في إطار الإحساس والتجربة.

هذه الحركة الفكرية نسبية للغاية و لا تملك وجهة نظر ثابتة في أي مجال. يعتبر ما بعد الحداثيين الأخلاق ظاهرة نسبية تمامًا ليست لها معايير خاصة. فما يمكن اعتباره سلوكا سيئا من قبل شخص ما يمكن أن يُعتبر جيدا من قبل شخص آخر، و لا يُعطى لهذا الأمر أهمية على الإطلاق. كل إنسان يملك حرية اختيار العيش الذي يحبه، وليس عليه الالتزام بأي مبادئ في المجتمع. تشكك حركة ما بعد الحداثة في الاهمية التي تعطيها الحداثة للعقل البشري، حتى أن ديفيد هيوم[7] يعتبر العقل البشري عبدا للعواطف[8]، و يرى أن الرغبات والغرائز هي التي ترشد الانسان في الحياة.

ينكر ما بعد الحداثيين، مثل الحداثيين، وجود الجوهر والهوية الثابتة في البشر، لأن كلتا مدرستي الفكر تتأثر بنظرية التطور لداروين[9]، ويعتقدون أن البشر حيوانات متطورة وأن الكائن الذي تطورت من الأنواع الدنيا ليس له جوهر أصلي. يمكن تلخيص حياة الفرد ما بعد الحداثي بأسرها في كلمتين: الاستمتاع والاستهلاك. إنه يعتقد أن الجنة هنا الآن، ولو أن تكون حزينة ومملة وسطحية، إلا أنها جنة ولا توجد جنة أخرى.[10]

تمثل الإعلانات التجارية والعديد من البرامج التلفزيونية والأفلام وكتب النجاح وبعض مواقع علم النفس وصفحات الانستغرام ترويجا لنمط الحياة في ما بعد الحداثة.

الإنسان المثالي في مدرسة فكر ما بعد الحداثة هو الذي يولي اهتماما كبيرا إلى ظاهره و لياقته البدنية، يفكر دوما في الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع، وهمّه الدائم هو التقدم المهني ونمو دخله وتزويد منزله بأحدث الأدوات، ويقضي وقت فراغه في الحفلات. إنه باختصار، يقضي ليله ونهاره غائص في دوامة الحياة. أقصى غايته قد تكون التزامه بحق حرية الرأي و العمل للجميع، أو حماية البيئة، أو الدفاع عن حقوق الحيوانات، وكل ذلك ليس لتحقيق هدف سامٍ ولكن لتحسين نوعية حياته.

الإنسان من منظور مدارس فكر الحداثة وما بعد الحداثة ليس سوى موجود متردد للغاية وطليق ومتهدل، وإنه يفتقر إلى الشعور بالهوية، ولا يعرف أنه من أين وما سبب مجيئه ولا يفكر في مقصده النهائي. بل يركز فقط على “الاستمتاع باللحظة الحالية”، ويتخلص بسهولة من أي شيء أو شخص يهدد متعته هذه. باختصار، إنه إنسان بلا ماض أو مستقبل، ولا يمتلك موقفا أو هوية واضحة في الحياة، هائم في ضباب الارتباك والتشتت في الحياة. في هذا المجتمع يولد الانسان و يعيش و يموت بدون أي غرض محدد.

ما تطرقنا إليه في هذه المقالة كان جزءًا بسيطا من وجهة نظر الفلسفة الغربية عن الإنسان والعالم. تعزز الفلسفة الغربية نوعا معينا من أسلوب الحياة، والذي يؤثر على كل شيء من الهندسة المعمارية إلى السياسات الدولية، ولكنه يشمل أيضًا عددًا لا يحصى من الأبعاد التي لا يمكن تغليفها بالكامل في مقال واحد.

وأما عواقب هذه الآراء الفلسفية الغربية عن الإنسان فسوف نتطرق إليها في مقال آخر تحت عنوان

الإنسان في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، تعاريف مختلفة للإنسان” والذي نقترح عليك قراءته وكتابة تعليقاتك عنه في قسم التعليقات.

[1] . ما هو عصر النهضة – موضوع

[2].   سلسلة : أفكار في مواجهة الإسلام – أولا : تيار الحداثة – المقال الأول : ما الحداثة ؟

[3] . قراءات يف تاريخ العصور الوسطى

[4].  مقدمة: ما الإنسانوية؟ | الإنسانوية: مقدمة قصيرة جدًّا | مؤسسة هنداوي

[5] . ما بعد الحداثة

[6].  ميشيل فوكو | الموسوعة | الجزيرة نت

[7].  خلاصة فلسفة ديفيد هيوم التجريبية

[8]. الاخلاق عند هيوم

[9] . تحميل كتاب دارون ونظرية التطور pdf – مكتبة نور

[10] Jean Baudrillard – Translated by Chris Turner (Material Word)

اكتب رأيك