مراجعة لمفهوم علم الإنسان في الفلسفة الإسلامية
علم الإنسان الإسلامي، أو معرفة الذات الإسلامية، وبتعبير أوضح “الفلسفة الإسلامية“، هو اكتشاف المبادئ الأساسية الفكرية التي قدمها الإسلام. إن حقيقة الإسلام هي توحيد الله عز وجل، وعند المفكرين المسلمين، لا يجوز الاتباع الأعمى في التوحيد.
لابد إلا أن يصل الناس جميعاً إلى حقيقة التوحيد في شريعة الإسلام، ولا يمكن الوصول إلى هذه الحقيقة إلا من خلال التفكير في ضرورتها والبحث عنها داخل أنفسنا. في هذه المقالة، سنلقي نظرة على أصول هذا النوع من التفكير وطبيعة الإجابات في هذه المدرسة الفكرية و سنكتشف عملیة التفکیر فی هذا المجال من خلال دراستهما بعناية.
خصائص الفلسفة الإسلامية
تستعين الفلسفة الإسلامية بوجود الإنسان لمعرفة أبعاده وخصائصه وطبيعته. من بين الجوانب المميزة للفلسفة الإسلامية سعيها للكشف عن القوانين التي تحكم الخلق والتحقيق فيها وفهمها من خلال الفطرة. ضمن هذه الفلسفة، يتم تقارن حقائق القرآن والأحاديث وسيرة الأئمة (عليهم السلام) بالحقائق الوجودية للإنسان كما يتم فهم مدى مطابقتها مع الخصائص الداخلية والذاتية للإنسان وفقا لميوله الفطرية. هذه المعرفة المكتسبة تتجاوز مجرد المبادئ التجريبية أو العقلانية، لأنها تنبع من طبيعتنا البشرية ويمكن قياسها بمعيار العقل والفطرة.
تقدم الفلسفة الإسلامية إجابات عقلانية ومنطقية لكافة الأسئلة العميقة التي ابتلى بها العقل البشري، مثل لغز الموت، ومفهوم العدم، و الرغبات. عندما تنشأ التعاريف من داخل الإنسان، يشهد العقل والقلب السليم على أحقيتها، ومع اكتشاف هذه الحقائق، تنفك العديد من العقد الفكرية التي يواجهها الإنسان.
مقدمة موجزة عن المدارس الفلسفية الإسلامية
منذ القرن الثاني الهجري عندما ترجم المسلمون التأليفات الفلسفية اليونانية، وخاصة تألیفات أرسطو وجالينوس وبعض محادثات أفلاطون إلى اللغة العربية، ظهرت حركة علمية في مجال الفلسفة في العالم الإسلامي.
حاولت شخصيات مثل الكندي والفارابي، اللذان يمكن اعتبارهما مؤسسي مبادىء الفلسفة الإسلامية، تقديم فلسفة جديدة تنسجم مع التعاليم الإسلامية، فلسفة حاول ابن سينا توسيعها وإكمالها بنظرياته في المواضيع المختلفة واقتراح مبادئ وفروع جديدة.
الفلسفة المشّائيّة هي أول مدرسة للفلسفة الإسلامية، وتعتمد في أبحاثها على الأسلوب الاستدلالي بالكامل. تأثرت أسس هذه الفلسفة بنظريات أرسطو وتعتبر أن الفهم العقلي متفوقا على طرق الإدراك الأخرى. بلغ الفكر الفلسفي المشائي إلى ذروته في إيران مع ظهور ابن سينا.[1]
إن الفلسفة الإشراقية التي أسسها شهاب الدين السهروردي، لا تكتفي بالاستدلال العقلي فحسب، بل الى جانب الأساليب العقلانية والاستدلالية، تعتمد على الشهود الباطني و السير و السلوك، وعلى عكس الفلسفة المشائية تؤمن بافضلية الاشراقات و نورانية القلب.[2]
حاول صدر المتألهين الشيرازي تقديم مدرسة فلسفية جديدة لا تحتوي على نقاط ضعف المدارس الفلسفية السابقة، من خلال الجمع بين ثلاث وهي العقل، والنقل، والشهود. المدرسة التي أسسها تُعرَف بإسم الحكمة المتعالية وفيها توجد ثلاث مصادر معرفية مترابطة منها الوحي، والعقل، والشهود الباطني، حيث يعمل كل منها كمكمل ومعيار للآخر. في الواقع من اختصاصات ملا صدرا الفذة انه قدّم تعبیر للتوصيفات العرفانیة بلغة الفلسفة والعقل. الفلسفة الصدرائية هي فلسفة عقلانية و شهودیة و شرعية التي مبنية على الشريعة الإسلامية.
حاول كل من ابن سينا وسهروردي وملا صدرا، الذین هم أهم الشخصيات في المدارس الفلسفة الاسلامية، تقدیم و تکییف الأصول الإسلامية فی إطار الفلسفة اليونانية، ويعتبر جهدهم في الواقع شكلاً جدیدا وتصنيفا مبدعا في الأصول الإسلامية. ولكن أساس الفکر الاسلامی هو المفاهيم المأخوذة و المستمدة من القرآن الکریم و سيرة أهل البیت (عليهم السلام).
و ما نشير إليه في هذه السلسلة من المقالات بالفلسفة الإسلامية و علم الانسان الإسلامي هي المفاهيم الأصلية الموجودة في هذين المصدرين الأصليين الذَين يعتبران أكثر المصادر موثوقية لاستخراج الفكر الإسلامي من حيث المنزلة والقدمة والسند. يمكن القول أن القضايا المطروحة في الفكر الإسلامي تُرَبّي جمهورها تدريجياً، حتى يصلوا إلى الفهم الكامل للرؤية المنشودة للإسلام.
الفرق الرئيسي بين التفكر الإسلامي والتفکرات الأخرى
التعارض الذي غالبًا يُرى في المدارس الفكرية الأخرى بين الدين والفلسفة غير موجود في التفكر الإسلامي حيث أن العقل والوحي لا يتعارضان في الرؤية الاسلامية بل متفقان ومکملان بعضهما البعض. بالإضافة إلى ذلك، الإسلام هو الدين الوحيد الذي لم يحرم التفكّر والاستدلال لشیعته فحسب، بل ينصح دائمًا بالتفكير في زوايا العالم و کیفیة قوانينها و أسبابها، لأن مبادئ الإسلام مبنية على الرياضيات و قوانين الكون ولا تتعارض مع ما يصل إليه العقل.
المشكلة الوحيدة التي واجهتها الفلسفة الإسلامية هي ابتعادها عن مبدأ الإسلام فی الآونة الأخیرة و هذا ما أوقعها في نقاشات منقولة وشهودية، وابعد مفكريها عن الرد علی أسئلة البشر و اهتمامات ذهنهم. لذلك، لا نرى اليوم معرفة وفهم صحیح لهذه المدرسة بين عامة الناس و بین مفكري المدارس الأخرى، حتى أن العديد منهم يعتبرون الإسلام منفصلاً عن العقل کالمسیحیة!
القرآن الکریم بوصفه الكتاب السماوي للإسلام، يعطي قيمة عالية للعقل و يدعو الجمیع إلى التفکّر والتعقّل في العديد من الأمور. في الواقع، قضية “التعقل” مهمة للغاية في الإسلام حتى أنه يطلب من شیعته التخلي عن التقليد واستخدام طريقة التعقل لإثبات أحقیته.
تقدم الفلسفة الإسلامية صورة عقلانية للدين والكون والموت والإنسان وجميع القضايا ذات الصلة مع الانسان ببیان استدلالی و منطقی و بما أنّها لا تقتصر على الألفاظ و الأساليب المحددة مسبقا، تستعین من المجالات الأخرى أیضا. غاية الفلسفة الإسلامية هي وصول الإنسان إلی السعادة الأخروية، ويستعين الفكر الإسلامي بالوحي والقلب إلی جانب العقل لتحقيق هذا الهدف.
درسنا في هذا المقال آراء الفكر الإسلامي وخصائصه وتاريخه وذكرنا أن الفلسفة الإسلامية قد استعانت من وجود الإنسان لفهم أبعاده وخصائصه وطبيعته. إنها تطابق حقائق الفطرة الإنسانية مع المصادر الدينية وتعاليم المعصومین (علیهم السلام). یعتمد هذا الأسلوب الفکری على المعلومات الصحيحة ولذلك يحاول من البدء تصحيح طرق الحصول على المعلومات ومنهجها التحليلية، حتی يؤدي في النهاية إلى إيصال الإنسان إلی هدفه النهائي وحل المشاكل التي يواجهها.
في النهاية، إذا كنت تريد أن تعرف عن المقارنة الموجزة بين الطرق المختلفة لعلم الإنسان، نوصيك بقراءة مقالة “مقارنة الأساليب المختلفة لعلم الإنسان، أفضل أسلوب لتحقيق السکینة“.