الفرق بين معرفة النفس في الإسلام وفي مكاتب الفكر الغربية

جدول المحتويات
"ما هي أبعاد الوجود الإنساني التي تتعامل معها معرفة النفس في الإسلام؟ "

ما علاقة معرفة النفس بعلم الإنسان

تعد معرفة النفس من أكثر القضايا الأساسية في حياة الإنسان، وقد تم الحديث عنها كثيرًا عبر التاريخ، لدرجة أن يمكن اعتبارها أكثر النصائح التي يوصى بها والاكثر أهمية التي يقدمها معظم المفكرين.

إن مجموعة المفكرين والمدارس التي تدعو الناس إلى معرفة النفس لا تقتصر على مدرسة معينة، بل تشمل كلا من المدارس التوحيدية، بما في ذلك الإسلام، والمدارس غير التوحيدية، مثل البوذية والهندوسية. الاختلاف الوحيد الموجود هو التوصيف الفريد الذي تقدمه كل مدرسة لمفهوم “النفس” والنتيجة النهائية التي تستمدها من هذا التوصيف.

في المقابل، علم الإنسان، أو الأنثروبولوجيا كما في المصطلح الشائع اليوم، هو علم يفحص الإنسان في بعدٍ واحد، أو من عدة أبعاد من وجوده، أو أنه يفحص مجموعة معينة وطبقة خاصة من البشر. وبما أن تعريف الإنسان في الفلسفة الغربية و مدارس الفكر المادي يختلف عن تعريف الإنسان في مدرسة الإسلام، فإن معرفة النفس الموصى بها في المدارس الغربية تختلف عن معرفة النفس الموصى بها في الإسلام.

فيما يلي سنلقي نظرة على هذه الاختلافات ونوضح ما إذا كان هناك فرق بين معرفة النفس وعلم الإنسان في الفلسفة الإسلامية، أم أن هذين المفهومين متماثلان.

معرفة النفس في الفكر الغربي

يُظهر إجماع مفكري المدارس المختلفة على أهمية وضرورة معرفة النفس وأن البشرية قد أدركت وجود حقيقة تسمى “الأنا” أو “النفس“.

مع ذلك، هناك اختلاف في وجهات النظر حول ماهية هذه النفس وأي جزء من الإنسان تكون.

عندما نقول “اعرف نفسك”، يظهر سؤالان مهمان:

  • من هي هذه النفس؟
  • كيف يتم التعرف عليها؟

تعتمد الإجابة عن السؤال الثاني على إجابة السؤال الأول.

إذا افترضنا، وفقًا لرأي الفلاسفة الغربيين والمدارس المادية، أن الإنسان كائن أحادي البعد ليس له كيان سوى جسده، فإن “النفس” تعادل الجسد، و تكون معرفة النفس هنا بمثابة معرفة الفئات المرتبطة بالجسم من فسيولوجيا الجسم وعلم الوراثة و قضايا العواطف والتعلم والذكاء والاهتمامات والمواهب والمعتقدات الشخصية والخصائص الأخلاقية والسلوكية، إلخ. (تجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من هذه الفئات لا تتعلق فقط بالبعد المادي، ولكنها تتعلق أيضًا بالبعد غير المادي للإنسان الذي يدعى بالروح. ولكن بما أن المدارس المادية تنكر وجود بعد كهذا، فقد نسبوا كل شيء إلى الجسد المادي).

إن دراسة معظم المعايير التي ذكرناها تكمن في المجال العلمي الذي يدعى “علم النفس“. لذلك تم تقليص معنى معرفة النفس بين عامة الناس إلى علم النفس، وما يُعلَن عنه على أنه معرفة النفس هو عبارة عن المفاهيم التي أثيرت في علم النفس.

تحصر المدارس الغربية تعاليمها جميعا في البعد المادي فقط، و بالتالي فإنها تقصر الهدف النهائي لمعرفة النفس على مجرد اكتساب الفوائد المادية. من خلال اكتشاف المواهب والقدرات الفردية واستغلالها، يحاول الشخص إنشاء عالم أفضل وأكثر راحة لنفسه والاستمتاع بالحياة أكثر. أما في عالم معرفة النفس من منظور إسلامي، فإن هذا الأمر ليس بالهدف النهائي، ولا يُنظر إلى اللذات بالطريقة التي يتبعها الغربيون.

فما المقصود بالنفس في التعاليم الإسلامية؟ وما هو هدف معرفة النفس في الفكر الإسلامي؟

معرفة النفس في الفكر الإسلامي

في الفلسفة الإسلامية، يختلف مفهوم “النفس” تمامًا عما هو مستخدم في الغرب. في علم النفس الإسلامي، تُستخدم مصطلحات مثل الروح والقلب والنفس وما إلى ذلك كمرادفات، و المقصود هو جوهرة غير مادية أودعها الله في الإنسان، من خلالها تكون حياة الجسد ممكنة. [1]

يعتبر الإسلام الإنسان كائنًا مكونًا من بعد مادي وغير مادي، حيث يشكل بعده الغير مادي نفسه الحقيقية. لذلك عندما يتحدث القرآن وتعاليم أهل‌البيت (عليهم السلام) عن معرفة النفس، فهذا يعني معرفة البعد اللامادي أو “النفس الحقيقية“. إننا ندعى بشراً وأفضل المخلوقات من خلال هذا البعد فقط، وإلا فإننا مشتركون مع بقية المخلوقات في الأبعاد الأخرى. إن وجود البعد الإنساني في وجود الإنسان أمر لا تريد الفلسفة الغربية قبوله، وبالتالي فإنه يخفض الإنسان إلى مستوى حيوان معقد ومدهش.

الهدف النهائي لمعرفة النفس في الإسلام عظيمٌ لدرجة أنه لا يمكن حصره في الإنجازات الدنيوية. الشخص الذي أنس بنفسه الحقيقية، سواء كان فقيرًا أو غنيًا، سليمًا أو مريضًا، من الطبقات الاجتماعية العليا أو من عامة الناس، سواء كان صاحب عمل أو عاملاً، فهو على أي حال ناجح وسعيد مسالم. تتميز حالة السعادة والسلام هذه بشكل أساسي عن مفهوم اللذات التي تُعلن عنها في الثقافة الغربية.

تحدثنا في مقالات منفصلة عن الأسئلة التالية بالتفصيل: ما هي أبعاد وجودنا؟ بأي بعد ترتبط النفس الحقيقية؟ أي الأبعاد نتشاركها مع الكائنات الأخرى؟ ما هو الكمال الحقيقي للإنسان؟ الخ.

ولكن علينا العودة إلى السؤال الذي طرحناه في المقدمة، والذي يشكل هدفنا الرئيسي من هذه المقالة:

هل هناك فرق بين معرفة النفس وعلم الإنسان في الثقافة الإسلامية أم أنهما مفهومٌ واحد؟

كما قلنا، فإن الذات الحقيقية هي التي تشكل البعد الإنساني لوجودنا. لذلك في التعاليم الإسلامية، فإن علم الإنسان يعادل معرفة النفس. في بيان أكثر دقة، يمكن أن يؤدي تعلم علم الإنسان إلى نقل جميع البشر إلى مستوى عام من معرفة النفس حيث يتساوى جميع البشر في قدرتهم على تعلم هذه المعرفة.

[1].   شبكة المعارف الإسلامية الثقافية

اكتب رأيك