لماذا يجب أن نعرف أنفسنا؟ ضرورة معرفة النفس في حياتنا
ما ھي حاجتنا إلى معرفة النفس؟ ھذا سؤال يشغل بال كل إنسان ویتطلب منه البحث عن إجابة. نحن البشر نشعر بالحاجة إلى معرفة كل شيء حولنا، بما في ذلك الماء والتربة والھواء والبحار والحيوانات والنباتات والعديد من الظواھر الأخرى، و خصصنا مجالات دراسية للتعرف على ھذه الظواھر مثل الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا.
یوجد في إیران فقط أكثر من 5900 فرع جامعي في مختلف العلوم.[1] مما يعني أن الذات البشرية تتوق لمعرفة ودراسة خصائص كل ظاھرة موجودة لكي یصل إلى تعریف صحیح لها. أما من جھة أخرى ھل نشعر بنفس ھذه الحاجة لمعرفة أنفسنا؟
لم علينا الإھتمام بمعرفتنا لأنفسنا؟ هذا سؤال مهم للغاية، اذا تمكنا من الاجابة عنه قد تتغير طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأمور. يحتاج كل انسان سواء كان طالبا أو موظفا أو على وشك أن یكون علاقات مع آخرين إلى أن يعرف نفسه قبل أن يخوض في أي من ھذه العلاقات. ھل من الممكن أن یغیر الإنسان من خياراته في الحياة على أساس تعریفه لنفسه؟ سنناقش في ھذه المقالة السبب الرئيسي لحاجتنا الى معرفتنا لأنفسنا و كیف تؤثر ھذه المعرفة على حیاتنا.
معرفة النفس، سؤال وجودي
كل منا یتوق إلى معرفة جوھره، بغض النظر عن نوعية شخصیته .فنحن نطمح إلى معرفة من خلقنا، ما الغرض وراء خلقتنا؟ لأي سبب نحن على الأرض؟ ما هو دور الموت في حياتنا؟ و ماذا یحدث بعد الموت؟ كل ھذه الاسئلة تدور في خلدنا كفضول طبيعي في مرحلة ما في حیاتنا.
من الممكن أن تشغلنا حیاتنا الیومیة عن البحث عن أجوبة ھذه التساؤلات، لكن الصمت عنھا لن یعفي من ضغط الأسئلة وستظل في داخلنا الى أن نبحر للبحث عنھا.
كيف تؤثر معرفة النفس على الرغبات البشرية
سؤال كھذا لیس حدیثاً بل كان موجوداً منذ بداية الخلق البشري، وقد أثر على الجوانب الفردية والاجتماعية لأسلوب حياتنا. كما أن ھذه التعاریف أدت إلى تأسيس العديد من المدارس الفكرية وبناء عليها بُنيت و دُمرت حضارات بشریة عدیدة عبر العصور. في الحقیقة فإن رغباتنا وأحلامنا مرتبطة بالطریقة التي نُعرّف بھا أنفسنا. على سبيل المثال، المراهق الذي لا يفكر في شيء آخر غير الاستمتاع بملذات المراهقين، قد تفوته بعض الفرص و سوف يتولد عنده شعور بالفراغ في نهاية هذه الفترة من حياته. إذا حصرنا أنفسنا ورغباتنا في إطار الحیاة الدنیا، فمن الطبيعي أن تقتصر أحلامنا وبالتالي سلوكیاتنا في نطاق ھذا الإطار.

معرفة الذات، شرط مسبق لكل أنواع المعرفة الأخرى
اذاً يمكننا القول أن الإجابة عن هذا السؤال: “ما هو الإنسان؟” لا يعين فقط نوع الفرح و الحزن الذي نعیشه، بل وأیضا يحدد معاییر السعادة و الإنسانية لدینا، و یحدد بشكل عام سیر حیاتنا. فتعتمد اختیار الوظیفة، شریك الحیاة و نوع سلوكنا و كل أعمالنا الیومیة على الإجابة عن ھذه الأسئلة. ذلك لأننا عندما نمتلك معرفة صحیحة عن أنفسنا نستطیع أن ننظم أنفسنا مع جمیع الأمور والمسائل الموجودة في حیاتنا. حيث مع كل خیار وعلاقة نواجھھا نقوم أولا بتقییمھا على أساس توافقھا مع “أنفسنا” وبعد ذلك نتخذ قراراً ما إذا كنا سنقبلھا أو نرفضھا.
لذلك معرفة النفس تحدد مدى التوافق والانسجام بیننا وبین الظواھر الموجودة حولنا. بمعنى آخر، نستطیع القول أن معرفة النفس ھي مفتاح المعارف الأخرى. لأنه من المستحيل أن نصل إلى فھم صحیح عن الظواھر والكائنات المحیطة بنا و وظائفھا إذا لم نبلغ فھماً مناسبا عن أنفسنا واحتياجاتنا و قدراتنا. اذاً طریقة رؤیتنا لأنفسنا و مدى معرفتنا بھا ستحدد مصیرنا و كل ھذا یدل على أھمیة معرفة النفس.

دور معرفة النفس في تلبیة الاحتیاجات الإنسانیة
دعنا الآن نعطي مثالا، لنفترض أننا نسینا كل خصائص جسمنا واحتیاجاته وفي نفس الوقت شعرنا بالعطش. في ھذا الافتراض، بما أننا لا نعرف شيئًا عن جسدنا، لذلك لا نعرف كیف نتعامل و نصلح ھذا الشعور غیر السار. قد نفكر في ممارسة أنشطة مختلفة مثل الجري في الھواء الطلق للتغلب على العطش ، لكن النتیجة التي سنحصل علیھا بعد الجري بضع مئات من الأمتار ھي اشتداد العطش. لنأمل أن نبقى على قید الحیاة حتى نصل إلى طریقة ما لإرواء ھذا العطش! الخطوة التالیة قد تكون أننا نتذوق أشیاء مختلفة من حولنا، فنحاول على سبیل المثال تذوق مسحوقًا ابیضاً و سیكون لدینا عندھا طعماً مالحاً قویاً في فمنا.
في ھذا الافتراض الرهیب، علینا أن نعرف أولاً أنه یجب علینا أن نشرب شیئا ما لإخماد ھذا الإحساس المزعج المسمى بالعطش، ثم علینا أن نعلم أن الشيء الوحید الذي یروي ھذا العطش ھو سائلا یسمى بالماء. بعبارة أخرى، یجب علینا في المرحلة الأولى أن نحدد ما ھي حاجتنا، و في المرحلة التالیة یجب أن یكون لدینا معرفة ما ھو الشيء الذي يلبي ھذه الحاجة.
الآن و قد أصبحت ضرورة معرفة النفس واضحة إلى حد ما، یجب علینا أن نتساءل ما ھو المقصود بكلمة “النفس” في ھذا التعبير.
من أي جانب من جوانب وجودنا تتكون ھذه النفس التي ھي من الواجب علينا أن نعرفھا؟ ھل تعني معرفة النفس العلم بأجزاء مختلفة من جسم الإنسان مثل الجھاز العصبي أو وظائف الدماغ، كما طرحنا في المثال أعلاه؟
ھل الحدیث عن معرفة النفس یعادل ما نعرفه الیوم بعلم النفس؟
سوف نتطرق الى ھذا الموضوع تحت عنوان «ما ھي معرفة النفس؟» في مقال آخر.
و سنقدم منظوراً واسعاً و اكثر عملیاً حول ھذا المعنى من خلال مناقشة الآثار التي تتركھا معرفة النفس على مختلف الجوانب من حیاتنا.
يرجى نشر تعليقاتك هنا، و الانتقال إلى المقالة التالية.
[1]. بناءً على إحصائيات من موقع وزارة العلوم الإيرانية